أعلنت وزارة الصحة مؤخراً عن إطلاق مبادرة جديدة ضمن مبادرات الصحة العامة، تهدف إلى توفير جهاز قياس السكر للأطفال بدون وخز، وذلك لتخفيف الألم النفسي الناتج عن الوخز المتكرر. ويطالب أهالي الأطفال المصابين بالسكري بتطبيق هذه المبادرة منذ سنوات، إلا أن تنفيذها يواجه عدة تحديات، مع تخوفات من توقفها نظراً لاعتمادها على جهاز مستورد غالي الثمن، تصل تكلفته إلى آلاف الجنيهات، بالإضافة إلى حاجته إلى سنسور مرتين شهرياً يجب أن يحصل عليه الطفل على نفقة التأمين الصحي، لئلا تتحمل الأسر أعباء مادية إضافية إذا اشترت الجهاز على نفقتها الخاصة.
من بين المخاوف المتعلقة بالمبادرة، اعتياد الأطفال على تركيب واستخدام الجهاز ثم حرمانهم منه مرة أخرى، مما يزيد العبء النفسي عليهم ويعيدهم إلى استخدام الشرائط في القياس. كما تخشى الأسر من أن تُطرح المبادرة بدعم من الشركات لنشر ثقافة القياس بدون وخز، وفي حال توقف دعم وزارة الصحة للمبادرة مستقبلاً، يكون الأطفال قد اعتادوا على الجهاز ويضطرون لشرائه من الشركات على نفقتهم الخاصة.
يكشف هذا التقرير عن أهم التحديات والصعوبات التي تواجه تطبيق المبادرة واستدامتها مستقبلاً.
نقلة نوعية في متابعة مرضى السكري
قال الدكتور طارق العريني، أستاذ وبائيات مرض السكري بجامعة المنيا، إن مبادرة توفير أجهزة قياس السكر بدون وخز للأطفال تمثل نقلة نوعية في متابعة مرضى السكري من النوع الأول. وأوضح لـ"فيتو" أن المبادرة تستهدف في مرحلتها التجريبية الأطفال من عمر 4 إلى 6 سنوات، باعتبارهم الأكثر احتياجاً بسبب صعوبة تحملهم الوخز المتكرر.
أشار العريني إلى أن متابعة مرضى السكري من النوع الأول تتطلب قياس مستوى السكر في الدم بمعدل يتراوح بين 5 إلى 7 مرات يومياً على الأقل، تشمل القياسات قبل وبعد الوجبات، وقبل النوم، وأحياناً في ساعات الفجر، إضافة إلى قياسات عند ظهور أعراض مفاجئة مثل هبوط السكر أو ارتفاعه. وأضاف أن الاعتماد على الطرق التقليدية يشكل عبئاً نفسياً وجسدياً على الأطفال، خاصة مع تكرار الوخز يومياً، مما يجعل الأجهزة الحديثة بدون وخز حلاً فعالاً لتقليل المعاناة.
وأوضح أن الأجهزة الحديثة في المبادرة تعتمد على "سنسور" يُثبت في جسم الطفل، ويقيس مستوى السكر باستمرار على مدار 24 ساعة، مع إرسال البيانات إلى تطبيق على الهاتف المحمول، مما يتيح للأم أو مقدم الرعاية متابعة الحالة بشكل لحظي. كما يوفر الجهاز مؤشرات مثل متوسطات القياس، ونسبة الوقت الذي يقضيه الطفل ضمن المعدلات الطبيعية للسكر، إضافة إلى تنبيهات فورية عند حدوث انخفاض أو ارتفاع حاد، مما يسمح بالتدخل السريع وتجنب المضاعفات. وأكد أن من أبرز مزايا المبادرة تحقيق تحكم أفضل في مستوى السكر، وتقليل خطورة نوبات الهبوط أو الارتفاع المفاجئ، ومساعدة الطبيب في اتخاذ قرارات علاجية أدق.
وكشف العريني عن أهم التحديات التي تواجه مبادرة أطفال السكر، وأبرزها التكلفة المرتفعة التي تمثل العائق الأكبر أمام استدامتها. يحتاج السنسور إلى التغيير كل أسبوعين، وتصل تكلفته الشهرية إلى ما بين 4 و5 آلاف جنيه أو أكثر، مما يتطلب توفير تمويل مستدام لضمان استمرار الخدمة وعدم انقطاعها عن المرضى. كما أشار إلى تحدٍ آخر يتمثل في ضرورة التوسع في تطبيق المبادرة لتشمل شرائح عمرية أكبر، وليس فقط الفئة المستهدفة حالياً، خاصة أن مرض السكري من النوع الأول يصيب الأطفال حتى سن 18 عاماً.
استمرار التمويل ودعم الشركات
أوضح العريني أن الأجهزة المتوفرة حالياً في المبادرة تأتي بدعم مجتمعي من الشركات التي تسعى لنشر هذه التكنولوجيا، لكن استمرارها على المدى الطويل يظل مرهوناً بقدرة التأمين الصحي على توفيرها دائماً للمرضى. وكشف عن التحديات التي تواجه مرضى السكري من النوع الأول بعد بلوغهم سن 18 عاماً، حيث ينتقلون من مظلة التأمين الصحي إلى نظام العلاج على نفقة الدولة، الذي لا يغطي احتياجاتهم الفعلية من الإنسولين.
وأشار إلى أن التكلفة الشهرية للعلاج تصل إلى 600 جنيه، بينما لا تتجاوز قيمة قرارات العلاج نصف هذا المبلغ في كثير من الأحيان، مما يضطر المرضى إلى تقليل الجرعات أو تحمل التكلفة على نفقتهم الخاصة. وحذر من أن نقص الإنسولين أو عدم انتظامه يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، مثل مشكلات العين والكلى والقدم السكري، مؤكداً ضرورة توفير العلاج بشكل كافٍ لأنه استثمار في الوقاية من مضاعفات السكر.
وعن طبيعة المرض، أوضح العريني أن مرض السكري من النوع الأول ليس وراثياً، بل يحدث بسبب خلل مناعي يؤدي إلى تدمير خلايا البنكرياس المسؤولة عن إفراز الإنسولين، غالباً بعد التعرض لعدوى فيروسية، مما يجعل المريض في حاجة دائمة إلى الإنسولين لا يمكن الاستغناء عنه. وأشار إلى أن مرض السكري غالباً ما يُكتشف بعد عمر سنة ونصف، ويمكن ظهوره حتى مرحلة المراهقة، لكن نادراً ما يظهر قبل عمر سنة ونصف، والإصابة أثناء الحمل نادرة الحدوث. وأكد أن أعداد المصابين بالسكري في مصر تقرب من 10 ملايين مريض، معظمهم من النوع الثاني، بينما يمثل النوع الأول 10% من مرضى النوع الثاني.
تحسين جودة حياة الأطفال وأسرهم
من جانبها، قالت شيماء العدوي، مثقف سكري معتمد ومسؤول حقوق المرضى بإحدى مؤسسات المجتمع المدني، وهي أم لطفل مصاب بالسكري من النوع الأول، إن مبادرة توفير أجهزة قياس السكر بدون وخز تساعد في تحسين جودة حياة الأطفال المصابين وأسرهم. وأوضحت لـ"فيتو" أن الأطفال المعتمدين على الإنسولين يجب عليهم قياس السكر من 6 إلى 10 مرات يومياً، مما يعرض الطفل لحوالي 300 وخزة شهرياً، بخلاف حقن الإنسولين التي لا تقل عن 4 مرات يومياً.
أضافت العدوي أن الجهاز يساعد على نقل قراءات السكر بشكل لحظي إلى هاتف الأم، مما يسمح لها بمتابعة حالة طفلها أثناء تواجده في المدرسة أو خلال ممارسة الأنشطة الرياضية، بالإضافة إلى قدرته على التنبؤ بالارتفاع أو الانخفاض في مستوى السكر من خلال مؤشرات تنبيهية. وكشفت عن معاناة أسر الأطفال المصابين بالسكري، التي لا تقتصر على المتابعة اليومية بل تشمل القلق المستمر، خاصة أثناء الليل، حيث تضطر الأسرة للاستيقاظ بشكل متكرر للاطمئنان على مستوى السكر لدى الطفل.
أشارت إلى أن الجهاز يوفر تنبيهات صوتية في حال حدوث انخفاض أو ارتفاع، مما يتيح للأم التدخل في الوقت المناسب دون الحاجة لإيقاظ الطفل بشكل متكرر. وشددت على أن توفير هذه الأجهزة من خلال وزارة الصحة يعد إنجازاً في ظل التحديات الاقتصادية. وأوضحت أن المبادرة تلتزم بتوفير 2 سنسور شهرياً لكل طفل، لأن عمر السنسور الواحد 15 يوماً فقط، ويتم صرفهما من نفس الجهة التي يتابع بها الطفل حالته الصحية، مع تقديم التدريب اللازم للأسر على استخدام الجهاز.
أكدت العدوي أن إدراج المبادرة ضمن المبادرات الرئاسية الصحية يعزز من فرص استمراريتها، مشيرة إلى وجود دعم من مؤسسات مختلفة ومخصصات مالية من الحكومة، مما يشير إلى وجود خطة واضحة تستهدف وصول الخدمة إلى 5000 طفل خلال 5 سنوات، مع التوسع في عدد المراكز لتصل إلى 8 مراكز بنهاية عام 2026، وعدم قصر الخدمة على القاهرة فقط. ونوهت إلى أن المبادرة بدأت بالفعل في مستشفى "أطفال مصر" التابعة لهيئة التأمين الصحي، للفئة العمرية من 4 إلى 6 سنوات، وفق معايير محددة تضمن وصول الخدمة إلى الأكثر احتياجاً.
أشارت إلى أن بعض التحديات قد تظهر مثل تأخر التوريد أو صعوبات الاستيراد نتيجة الظروف الاقتصادية أو الأزمات العالمية. وفيما يخص تكلفة الأجهزة خارج المبادرة، أوضحت أن سعر السنسور 1350 جنيهاً، ويحتاج الطفل إلى مستشعرين شهرياً. ونوهت إلى أن بعض المرضى يلجؤون للحصول على هذه الأجهزة على نفقة الحكومة من خلال رفع دعاوى قضائية مدعومة بتقارير طبية، مختتمة بالقول: "المبادرة ستساهم في تقليل لجوء الأسر إلى الدعاوى القضائية خاصة للفئات العمرية المستهدفة حالياً".
ضمان الاستدامة
قال محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، إن المبادرة تمثل أملاً للآلاف من أطفال مرض السكر، وتوفر جهاز قياس السكر بدون وخز الموجود في أغلب دول العالم منذ سنوات، مما يساعد في خفض نسب المضاعفات وطمأنة الأسر على أولادهم. لكنه أشار إلى أن المبادرة لم توضح مصير أطفال السكري المتسربين من التعليم أو الذين اكتفوا بالشهادات المتوسطة ولم يعد لهم تأمين صحي، أو الأطفال في محافظات التأمين الصحي الشامل، بالإضافة إلى آليات ضمان استدامة تمويل المبادرة وتوفيرها لكل الأطفال مستقبلاً.



