أجاب مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد عن استفسار حول حكم الاعتماد على التقارير الطبية الصادرة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي في الأحكام الطبية، مؤكدًا ضرورة الرجوع إلى الأطباء المختصين.
الرجوع إلى الأطباء في إصدار التقارير الطبية
أوضح المفتي أن الأصول الشرعية تقتضي إناطة الأحكام بمقاصدها، ومعرفة مناطاتها بالرجوع إلى أهل الخبرة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وأكد أن العلم والخبرة الفنية مرجعيات حاكمة في توصيف الواقع، خاصة في حفظ النفس، وهو أحد المقاصد الكلية للشريعة.
ويقتضي ذلك في المجال الطبي الرجوع إلى الأطباء لإصدار التقارير الطبية، التي تُحرر بعد دراسة حالة المريض وتشخيص المرض، كما في الموسوعة الطبية الفقهية. وهذه التقارير توثيق لقول الطبيب، الذي يعتبره الفقهاء مؤثرًا في تصوير المسألة، ثم التكييف، ثم الحكم، ثم تنزيله على الواقعة.
واستند المفتي إلى نصوص فقهاء المذاهب: فقد قال الإمام السرخسي الحنفي في المبسوط: “نوع من ذلك عيب لا يعرفه إلا الأطباء، فعلى القاضي أن يريه مسلمين عدلين من الأطباء؛ لأن علم ذلك عندهم”. وقال ابن عابدين الحنفي: “المرجع في الداء إلى قول الأطباء”. وقال العدوي المالكي: “الخوف المجوز للفطر هو المستند إلى قول طبيب حاذق”. وقال النووي الشافعي: “لو شككنا في كونه مخوفًا لم يثبت إلا بطبيبين”. وقال البهوتي الحنبلي: “يقبل في داء طبيب واحد مع عدم غيره”.
حكم الاعتماد على التقارير الطبية الصادرة عن الذكاء الاصطناعي
في العصر الحديث، تداخلت أنظمة الذكاء الاصطناعي مع المجال الطبي، وإصدارها للتقارير الطبية يأخذ صورتين:
الصورة الأولى: الذكاء الاصطناعي كنظام مساعد للطبيب
حيث يقوم النظام بالتحليل الأولي، ويشرف الطبيب ويراجع ويعتمد. الأصل في هذه الصورة الإباحة، استنادًا إلى قاعدة “الأصل في الأشياء النافعة الإباحة” لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]. ويُعتبر الذكاء الاصطناعي أداة تابعة للغاية، وللوسائل أحكام المقاصد، فيمكن الاعتماد على تلك التقارير؛ لأن حجيتها مستمدة من الطبيب المختص.
الصورة الثانية: الذكاء الاصطناعي كنظام بديل عن الطبيب
حيث ينفرد بإصدار التقارير دون إشراف بشري. لا يصح شرعًا الاعتماد عليها في حكم قاطع؛ لاحتمالية الخطأ البرمجي، والاختراق، وغياب الرقابة البشرية، مما قد يضيع الحقوق والأنفس. فالآلة تفتقر إلى الأمانة والمسؤولية الجنائية والأخلاقية، وانفرادها مظنة للضرر، و“الضرر يزال”، و“لا ضرر ولا ضرار” كما ورد في الحديث.
ويتوافق هذا مع التوجهات الدولية، حيث حذرت منظمة الصحة العالمية في تقريرها الإرشادي لعام 2024 من تفويض الخيارات الطبية الحساسة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، بسبب مخاطر البيانات الخاطئة أو المتحيزة.
وخلاصة الأمر: أن الذكاء الاصطناعي مباح من حيث الأصل، لكن في المجال الطبي لا يصح شرعًا الاعتماد عليه وحده دون إشراف طبيب متابع ومراجع. فالأمر يتعلق بالأبدان والأنفس، واحتياط هذا المجال أكبر، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وبناءً عليه، فإن التقارير الطبية الصادرة عن الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة مع إشراف الطبيب واعتماده يمكن الاعتماد عليها، أما إذا صدرت منفردة دون إشراف بشري فيمتنع شرعًا الاعتماد عليها؛ لافتقارها إلى الأمانة والدقة والمسؤولية، ولعدم اعتراف الجماعة العلمية الطبية بها حتى الآن.



