يشهد العالم في السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في معدل الاضطرابات النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب، الذي يُعد أحد أبرز العوامل المرتبطة بسلوكيات الانتحار. وهذا التنامي لا يرتبط ببيئة أو مجتمع بعينه، بل أصبح ظاهرة عالمية تتداخل فيها ضغوط الحياة اليومية، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وضعف الدعم النفسي في بعض الحالات.
الاكتئاب ليس مجرد حزن عابر
يُنظر إلى الاكتئاب اليوم باعتباره أكثر من مجرد حالة حزن عابرة، بل اضطراب نفسي قد يؤثر بشكل مباشر على التفكير والسلوك واتخاذ القرار، وقد يصل في بعض الحالات إلى فقدان الأمل الكامل في المستقبل. ومع ازدياد الضغوط النفسية وتراجع القدرة على التكيف لدى بعض الأفراد، تتفاقم المخاطر المرتبطة بالأفكار الانتحارية.
وتحذر المؤسسات الصحية والخبراء من تجاهل العلامات المبكرة للاكتئاب، مؤكدة أن التدخل المبكر والدعم النفسي يمكن أن يحدثا فارقًا كبيرًا في إنقاذ الأرواح وتقليل معدلات الانتحار، خاصة مع تزايد الحاجة إلى تعزيز الوعي بالصحة النفسية ودمجها كجزء أساسي من الرعاية الصحية العامة.
الدافع الأبرز للانتحار: فقدان الأمل
من جانبه، قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان بمستشفيات جامعة عين شمس، إن الدافع الأبرز وراء حالات الانتحار يتمثل في فقدان الأمل في المستقبل والشعور بانعدام الرغبة في الاستمرار بالحياة، موضحًا أن هذا العامل يعد القاسم المشترك في أغلب الحالات عالميًا.
وأضاف فرويز في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الاكتئاب بجميع أنواعه، سواء الوجداني أو التفاعلي، يُعد من أهم الأسباب المؤدية لهذه السلوكيات، إلى جانب بعض الاضطرابات الذهانية مثل الفصام، التي قد يصاحبها في بعض الحالات هلاوس سمعية تتضمن أوامر مباشرة بإيذاء النفس.
تأثير الاكتئاب على كيمياء المخ
وأوضح أن الاكتئاب يؤثر على كيمياء المخ عبر انخفاض نسب مواد عصبية أساسية مثل السيروتونين والدوبامين، وهو ما ينعكس على انخفاض الشعور بالسعادة وضعف القدرة على التركيز والتفكير، مما يدفع المريض إلى رؤية الحياة بشكل مغلق وسلبي.
وأشار إلى أن سلوك الانتحار يختلف باختلاف الفئات العمرية، حيث قد يظهر لدى الأطفال بدافع التقليد أو الفضول، بينما يتسم لدى المراهقين والشباب بطابع اندفاعي لحظي، في حين يميل مرضى الاكتئاب إلى التخطيط المسبق وتكرار المحاولة عند الفشل.
مؤشرات تحذيرية يجب الانتباه إليها
ولفت إلى وجود مؤشرات تحذيرية يمكن ملاحظتها على المريض، مثل الانعزال، وبطء الحركة والكلام، وقلة التفاعل، وفقدان الاهتمام بالحياة اليومية، إضافة إلى اضطرابات النوم والأكل.
وحذر فرويز من التعامل الخاطئ مع الحالات التي تعاني من أفكار انتحارية، مؤكدًا أن نقل المريض إلى أماكن مرتفعة أو محفزة قد يزيد الخطر، مشددًا على ضرورة التوجه الفوري إلى المستشفيات المتخصصة لتطبيق بروتوكولات العلاج النفسي الطارئ، والتي تشمل المتابعة الدقيقة والتدخلات العلاجية اللازمة لإنقاذ الحياة.
كما أشار إلى وجود خدمات دعم نفسي مجانية تقدمها وزارة الصحة عبر الخط الساخن 16328 على مدار الساعة، لتقديم الاستشارات النفسية والإرشاد المتخصص.



