تحولت المراهنات الإلكترونية في الآونة الأخيرة من مجرد تسلية عابرة إلى ظاهرة سلبية خطيرة تزحف بسرعة الصاروخ بين فئات واسعة من الشباب بمختلف أعمارهم. هذه الظاهرة لم تعد تلتهم أموال واهتمامات مستخدميها فحسب، بل باتت تستهدف بشكل مباشر تفكيك البناء الأسري والمجتمعي، حتى إنها دفعت البعض إلى نفق مظلم انتهى بالتخلص من حياتهم بعد الوقوع في فخ الديون والإفلاس.
وسط هذه الأجواء المشحونة بالقلق، تعالت صرخات التحذير من المؤسسات الدينية في مصر، والتي وقفت بالمرصاد لتمد طوق النجاة للشباب قبل فوات الأوان. وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على الأحكام الشرعية والتحذيرات التي أطلقها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية للحد من تفشي هذا الوباء الرقمي، وتوضيح أبعاده المخيفة على الفرد والمجتمع.
الأزهر: المراهنات الإلكترونية قمار محرم
أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أنه مع ما أباحته شريعة الإسلام من الترويح عن النفس، فإنه لا ينبغي إغفال الضوابط التي وضعتها الشريعة للحفاظ على الدين والنفس والمال والوقت والسلامة. ومن أهم هذه الضوابط ألا يشتمل الترويح على مقامرة. وأضاف المركز أن المراهنات التي يجريها المشاركون على مجموعات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المختلفة، ويدفعون أموالًا في حساباتها، ثم يأخذ هذه الأموال الفائز فقط، هي عين القمار المحرم.
والقمار من الميسر المتفق على حرمته شرعًا، فقد أمر الله تعالى باجتنابه في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق».
حكم الإسلام في القمار
أوضح الأزهر أن القمار أكل لأموال الناس بالباطل، وكبيرة من كبائر الذنوب. وكسب القمار مال خبيث يرد على أصحابه، وإن تعذر رده صرف في مصالح المسلمين تخلصًا منه. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار».
مخاطر القمار على الفرد والمجتمع
كثير من حكم تحريم القمار واضحة من حوادث الواقع، حيث لا يخلو من شقاق وتشاحن وبغضاء. ويؤثر القمار سلبًا على الدخل الأسري والاستقرار المادي بالغرق في الديون، وما ينتج عنه من محاولات التخلص من الحياة هربًا من ضغوطه. كما يؤثر على الاستقرار العائلي، ويؤدي إلى كثرة المشكلات الزوجية وارتفاع نسب الطلاق. وإدمان القمار كإدمان الكحوليات والمخدرات، وهو سبب من أسباب تعاسة الإنسان وفساد أخلاقه ودافع من دوافع الجريمة كالسرقة والانتحار.
ويهيب المركز بالوالدين والمربين والعلماء والأساتذة والدعاة والإعلاميين بضرورة نشر وعي مجتمعي يقي أبناءنا وشبابنا مفاسد هذه المراهنات.
دار الإفتاء: الرهان على الألعاب قمار محرم
أوضحت دار الإفتاء أن الحنفية ذهبوا إلى أن كل ما كان فيه تعليق المال على الخطر فهو من القمار. وجملة القول أن الرهان المعروف الآن، سواء على سباق الخيل أو غيره، هو من القمار المحرم شرعًا الذي لا توجد نصوص تبيحه. وقد دلت النصوص على حرمته لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، منها ضياع أموال المتراهنين وخراب بيوت الأسر الكريمة، وحمل الكثير على ارتكاب جرائم السرقة والاختلاس والانتحار.
وقال الشيخ أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء، إن الرهان على الألعاب الرقمية أو الحقيقية يعتبر محرمًا وقمارًا، لأنه إنفاق للمال في أمر يغضب الله.
تحذير للآباء: الوقاية خير من العلاج
ورد الشيخ عويضة عثمان، أمين دار الإفتاء، على سؤال من سيدة قالت فيه: «ابني كان بيلعب لعبة إلكترونية وخسر كل فلوسه، فساعدناه وسددنا جزءًا كبيرًا من المبلغ.. هل نؤجر؟». فأجاب أن مساعدة الوالدين جائزة ومقبولة بشرط أن تكون تصحيحًا لسوء التصرف وليس تشجيعًا على التكرار. وأشار إلى أن الكسب الصحيح يكون بالجد والعمل والتجارة الحلال، وليس بالمقامرة أو اللعب على الحظ. ودعا جميع الآباء إلى متابعة أبنائهم وعدم الاكتفاء بفك أزماتهم بعد وقوعها، لأن الوقاية خير من العلاج.
رغم كل هذه التحذيرات، لا يزال قطاع كبير من الشباب يمارس هذه الألعاب التي تصل بهم إلى طريق مظلم، وفي أحيان كثيرة إلى الانتحار.



