في الوقت الذي يواجه فيه العالم خطرًا وشيكًا ومقلقًا يتمثل في ظاهرة النينيو العظمى، نجحت الأقمار الصناعية التابعة لوكالة ناسا في الكشف عن نمط مناخي متنامٍ ومتسارع. فخلال الأعوام التي تشهد تفشي ظاهرة النينيو، ترتفع درجة حرارة سطح البحر في أجزاء المحيط الهادئ الاستوائي، مما يجعل العالم بأسره أكثر دفئًا في المتوسط. وباستخدام عقدين كاملين من الملاحظات والبيانات الحيوية الملتقطة من الفضاء الخارجي، تمكن العلماء والباحثون الآن من تتبع ورصد كيف تؤثر هذه المياه الدافئة بشكل كبير وعميق على طبيعة الحياة البحرية ومستقبلها.
تحذيرات من حالة الإجهاد الغذائي
تؤدي مياه المحيطات الدافئة خلال فترات نشاط ظاهرة النينيو إلى الحد بشكل ملحوظ من توافر العناصر الغذائية الأساسية للكائنات البحرية حول العالم، مما يهدد بشكل مباشر استقرار وتوازن النظم البيئية الحيوية في البحار. ففي الحالة الطبيعية المعتادة، تتغذى الكائنات الحية الدقيقة الشبيهة بالنباتات والتي تُعرف باسم «العوالق النباتية» على تيارات المياه الباردة الغنية بالمغذيات التي تتدفق وتصعد باستمرار من أعماق المحيطات نحو الأعلى. ومع ذلك، فإن الارتفاع الحالي في درجة حرارة المحيطات يعيق تدفق هذه المعادن الحيوية والضرورية، مما يتسبب في حدوث حالة بيئية حرجة تسمى «الإجهاد الغذائي». وتزداد هذه الظروف الصعبة قوة وعمقًا خلال سنوات ظاهرة النينيو، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى خنق التدفق الحيوي للمغذيات وتقويض أساس النظام البيئي البحري بأكمله، بحسب ما ذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.
وتؤكد لورا لورنزوني، عالمة البرامج في برنامج علم الأحياء البحرية والكيمياء الحيوية التابع لوكالة ناسا في مقرها الرئيسي بواشنطن، أن هذا الأمر يعد أساسيًا ومصيريًا؛ لأن مجتمعات العوالق تمثل حجر الأساس للشبكة الغذائية البحرية بأكملها، والتي تعتمد عليها بالتبعية أنشطة اقتصادية وتجارية بالغة الأهمية للبشر. ويحدث هذا الإجهاد الغذائي تحديدًا عندما تعجز العوالق النباتية عن الحصول على كفايتها من المعادن الأساسية، مثل الحديد والفوسفور والنيتروجين. وبدون توافر هذه المعادن، لا تستطيع العوالق أن تنمو وتتكاثر بالشكل الصحيح والسليم، وهو ما يلقي بظلاله السلبية ويؤثر على السلسلة الغذائية البحرية من أولها إلى آخرها.
تأثير ظاهرة النينيو على المحيطات
من أجل فهم أعمق للظاهرة، قام العلماء بدمج الملاحظات المأخوذة عبر الأقمار الصناعية مع نتائج الاختبارات الجينية الدقيقة للعوالق النباتية التي تم جمع عينات منها من مختلف أنحاء العالم، وذلك لمعرفة الكيفية الدقيقة التي يتأثر بها الإجهاد الغذائي جراء حرارة المحيط. وباستخدام مستشعر التصوير الطيفي متوسط الدقة المستقر على متن قمر ناسا الصناعي، تمكن الباحثون من قياس التحولات الحاصلة في نسبة الكربون إلى الكلوروفيل في العوالق كما تُرى من الفضاء، حيث يُعبر انخفاض كمية الكلوروفيل مقارنة بالكربون عن علامة واضحة تُثبت أن العوالق تتعرض لضغوط وإجهاد متزايدين. ولدعم هذه الملاحظات الفضائية وتأكيدها، قام الفريق بفحص المؤشرات الجينية الدقيقة للغاية في عينات من ميكروب «البروكلوروكوكس»، وهو ميكروب بحري صغير جدًا ولكنه وفير للغاية، ويُظهر علامات واضحة للإجهاد الغذائي في حمضه النووي عند الفحص.
وكشفت هذه الفحوصات المعمقة أن أسوأ حالات الإجهاد الغذائي تظهر بوضوح في الدوامات شبه الاستوائية، وهي عبارة عن مناطق شاسعة من المياه الهادئة نسبيًا في المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ والمحيط الهندي، حيث تتشكل فيها طبقة من المياه الدافئة على السطح مباشرة. ويشرح الدكتور آدم مارتيني، عالم المحيطات بجامعة كاليفورنيا والمؤلف المشارك في هذه الدراسة، هذه الآلية قائلًا إنه عندما ترتفع درجة حرارة سطح المحيط، فإنها تخلق حالة بيئية مستقرة للغاية وثابتة، حيث تتكون طبقة من المياه منخفضة الكثافة وتستقر فوق المياه الباردة ذات الكثافة الأعلى. وربما يكون المرء قد مر بهذا الشعور وعاشه بنفسه إذا سبق له زيارة بحيرة ما في فصل الصيف، حيث يلاحظ أن الماء يكون دافئًا للغاية على السطح، بينما يكون باردًا جدًا في الأعماق بمجرد غمر الساقين فيه.
وتعمل هذه الطبقة الدافئة والمستقرة بمثابة حاجز يحبس العناصر الغذائية والمعادن الثمينة في الأسفل، مما يمنعها تمامًا من الصعود والوصول إلى العوالق التي تعيش بالقرب من السطح، ويتسبب بالتالي في زيادة حادة في مستويات الإجهاد الغذائي. وفي منطقة جنوب المحيط الهادئ، والتي تُصنف كواحدة من أكثر المناطق فقرًا بالعناصر الغذائية على كوكب الأرض، ساهمت طبقة المياه السطحية الدافئة هذه في إحداث نقص شديد في عنصري النيتروجين والحديد، مما أدى في النهاية إلى إنتاج أشد أنواع الإجهاد المرتبط بنقص العناصر الغذائية التي تمكن الفريق العلمي من اكتشافها ورصدها حتى الآن.



