فخ "AZ-5".. قصة مهندس ضغط زر النجاة في تشيرنوبل ففتح أبواب الجحيم
فخ "AZ-5".. مهندس تشيرنوبل ضغط زر النجاة ففتح الجحيم

ألم عنيف يتجاوز مقدار ما يمكن أن يحمله أي إنسان، احمرار شديد وتورم وبقع داكنة تأكل جسده في بطء، تساقط للشعر، غثيان وقيء مستمر، سخونة شديدة، المسكنات لا تجدي نفعا، الصرخات تنطلق من حلقه بين حين وآخر ليس للتعبير عما يعانيه، لكنها أحيانًا كانت تخفي وراءها سؤالا لم يستطع معرفة إجابته قط، وهو «فعلنا كل شيء بشكل صحيح.. فلماذا حدث ذلك؟.. فيما أخطأنا؟»، ليفارق ليونيد توبتينوف، مهندس أول التحكم في المفاعل رقم 4 بتشيرنوبل عام 1986، الحياة بعد تعرضه لحروق إشعاعية عنيفة ناتجة عن انفجار المحطة النووية، دون أن يعلم إجابة سؤاله الذي ظل يراود عقله حتى رحيله «لماذا حدث الانفجار؟».

نشأة المهندس الشاب

قبل نحو 25 عامًا من التعرض للإصابة المميتة، وُلد ليونيد توبتونوف في 16 أغسطس 1960 بميكولايفكا في أوكرانيا السوفيتية. كان والده يعمل في برنامج الفضاء السوفيتي وتربى على حب العلوم. وفي العام 1983، تخرج في معهد أوبنينسك لهندسة الطاقة النووية، وحصل على درجة التخصص في هندسة محطات الطاقة النووية من معهد موسكو للهندسة والفيزياء، ليبدأ مسيرته المهنية في مارس 1983 بمحطة تشيرنوبل كمهندس أول للتحكم في المفاعل.

تخصصه في مفاعلات RBMK-1000

كان توبتونوف محبوبا بين أصدقائه وذكيا ومحبا لمجال عمله رغم حداثة سنه، إذ كتب أطروحته الجامعية حول النقاط الدقيقة في فيزياء المفاعلات من نوعية RBMK-1000، وكان يعلم أنّ المعدات التي تتحكم فيها قد تكون متقلبة وصعبة التحكم في ظل ظروف معينة، وفق موقعي «History» و«forgotten chernobyl». كان الشاب العشريني يعيش في شقة صغيرة في وسط مدينة بريبيات، تتألف من غرفة نوم واحدة ومطبخ، كان توزيع المساكن يعتمد على الاحتياجات الشخصية والوضع الاجتماعي والمساهمات المقدمة للحزب الشيوعي والمجتمع.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وفي مساء يوم 25 أبريل 1986 غادر شقته متجهًا إلى عمله ضمن طاقم المشغلين في النوبة الليلية داخل المبنى الرابع لمفاعل تشيرنوبل النووي، دون أن يعلم أنّه سصبح ضحية لكارثة غيرت شكل العالم على مدار 40 عامًا.

اختبار الأمان بمفاعل تشيرنوبل 1986

شهران فقط هما عمر خبرة الشاب، ومع ذلك وجد نفسه أصغر مسؤول عن التحكم في طاقة المفاعل رقم 4، وذلك في أثناء إجراء اختبار أمان لم يكن يعلم عنه شيئًا. وتفاجأ بأناتولي دياتلوف نائب رئيس المحطة يطلب منه وصديقه ألكسندر أكيموف صاحب الـ33 عامًا ورئيس الوردية الليلية وقتئذ، أن يخفضا طاقة المفاعل إلى 700 ميجا واط. وحاول الثنائي بالفعل اتباع التعليمات رغم معارضة أكيموف لذلك الأمر كونه شديد الخطورة وغير آمن، إلا أنّ دياتلوف لم يعره أي اهتمام.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وفجأة، بينما كان توبتينوف يسحب قضبان التحكم في المفاعل واحدًا تلو الآخر، انخفضت طاقة المفاعل غير المستقر إلى ما يقارب الصفر. وأراد أن يوقف تشغيل المفاعل بالكامل بموافقة أكيموف الذي توقع أنّ قلب المفاعل قد تسمم بمادة الزينون، كما أنّه لم يكن قد عمل كمشغل مفاعل رئيسي سوى شهرين فقط ولم يسبق له أن تحكم في مفاعل نووي خلال إجراء إيقاف كامل، إلا أنّ دياتلوف أصر على إكمال الاختبار، وأخبرهما أن يرفعا طاقة المفاعل إلى 700 ميجا واط. وأجبر توبتينوف على إزالة جميع قضبان التحكم من المفاعل رقم 4، لكنه لم ينجح سوى في إيصاله إلى 200 ميجا واط فقط.

انفجار مفاعل تشيرنوبل 26 أبريل 1986

وطوال تلك المدة كان الثنائي ينظران إلى بعضهما ويطمئنان أنفسهما بأنّهما اتبعا التعليمات وفعلا كل شيء بترتيب صحيح. وفي أثناء إجراء الاختبار ارتفعت طاقة المفاعل فجأة وضغط توبتينوف زر إيقاف المفاعل المعروف بـ«AZ-5»، بموافقة أكيموف دون علمهما أنّهما أشعلا فتيل كارثة نووية ضخمة بسبب عيب تصميم في المفاعل. وبعد ثوان انفجر المفاعل، ما أدى إلى تعرض توبتينوف وصديقه أكيموف إلى جرعة إشعاعية شديدة الخطورة بلغت أكثر من 700 رونتجن.

نُقل توبتينوف إلى مستشفى بريبيات، ثم إلى مستشفى موسكو رقم 6. وبحلول يوم 28 أبريل، كانت أعراض مرض الإشعاع بدأت تهدأ قليلا، وأرسل رسالة إلى والديه وترك ملاحظة عن مكان وجوده في موسكو. وعندما زاره والداه في المستشفى، لاحظا أنّه يعاني من تلف غريب في الجلد.

وخلال إقامته، ناقش الأسباب المحتملة للحادث مع أكيموف ودياتلوف، اللذان نُقلا معه إلى المستشفى نفسها لتلقي العلاج، لكنهما كانا في حيرة من أمرهما. وسأله والداه مرة عن السبب، لكنه لم يستطع إلا أن يقول إنّهم اتبعوا اللوائح. وبعد ذلك ساءت الأعراض جدا وأصبحت غير محتملة، ليخضع توبتونوف وأكيموف لعملية زرع نخاع عظمي في محاولة لتنشيط جهازهما المناعي.

وفاة أصغر مهندس نووي في تشيرنوبل 1986

توفي توبتينوف متأثرًا بتسمم إشعاعي حاد في 14 مايو 1986 أي بعد كارثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي بأسبوعين فقط، ودُفن في مقبرة ميتينسكو بموسكو. وأُبلغت عائلته أنّ وفاته كانت السبب الوحيد لعدم محاكمته بسبب الحادث. ولاحقا في عام 2008، منحه فيكتور يوشينكو، رئيس أوكرانيا آنذاك، وسام الشجاعة من الدرجة الثالثة بعد وفاته.