كيف نطهر قلوبنا من الغل ونرضى الله؟ علي جمعة يوضح
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن القلب هو مرآة التجلي، ولا يشرق فيه نور الحق إلا إذا انقشع عنه غبار الخلق. فالتخلية باب التحلية، ومن ترك كدر الغل نودي في ملكوت الصفاء: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46].
ترك الغل يجلي البصيرة
وأوضح أن تخلية القلب من الغل عمل يورث الإنسان توازناً، ويجعله يرى الحقائق كما هي، فلا يغبش الغل عليه شيئاً منها، بل ينظر إلى ما حوله بقلب صافٍ، فيتخلى عن الكبر والأنانية والحقد والحسد، وعن الظلم والتصرفات الهوجاء التي قد يرتكبها بحق نفسه أو غيره أو أمته.
طريق الله لا يعرف الغلو
وأضاف أن الغل يؤدي إلى اختلال الميزان في يد الإنسان، فيأكل قلبه ويغبش طريقه. ونحن ندعو الله كل يوم في صلواتنا: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]، والصراط المستقيم طريق الله، وطريق الله لا يعرف الغل. فإذا تخلّيت عن الغل من قلبك، ودربت نفسك على ضبطه وتخلية القلب منه، سعدت.
ترك الغل سعادة في الدنيا والآخرة
وقد يظن كثير من الناس أن ترك الغل مجرد خلق راقٍ فحسب، بل هو سبب للسعادة في الدنيا، وجعله الله علامة على السعادة في الآخرة، جزاء للمتقين على تقواهم: {إن المتقين في جنات وعيون * ادخلوها بسلام آمنين * ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين} [الحجر: 46-48]؛ ساقها الله سبحانه وتعالى في سياق المنة، ولم يسقها في سياق التكليف الذي يتكلف فيه الإنسان المشقة لإزالة هذا الأمر من قلبه طلباً لرضوان الله، بل جعله من الأمور التي يمنّ الله بها علينا في الجنة جزاءً وفاقاً لما سبق أن قدمناه من التقوى؛ فنزع الغل نعمة يرجع أثرها إليك: سعادة، وسلاماً، ورفعاً للنصب في الدنيا والآخرة.
بين التخلية والتحلية كيف ترضي الله تعالى
وتخلية القلوب من الغل قد تحتاج إلى وقت؛ فالتربية تحتاج إلى وقت وهمة واستمرار، وتحتاج إلى أن ننقل ذلك إلى أولادنا منذ الصغر، بعمل دائم؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عمله ديمة، وقال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فسيطر على نفسك، وقاوم الغل تجاه إخوانك والعالمين، وتجاه هذا الكون المخلوق لرب العالمين، ولا تدعه يتحول إلى كبر أو ظلم أو أنانية تملأ القلوب؛ فتسعد في الدنيا، ثم تلقى ربك وهو راضٍ عنك. وإذا خلّيت قلبك من القبيح، فإن الله لا يترك القلب فارغاً؛ بل يحلّيه بالرضا والتسليم والسماحة، ويحلّيه بالبصيرة والنور، فترى الأشياء على وجهها.
واختتم كلامه قائلاً: ليس الغل إلا سجن الذات وقيد الروح عن الطيران في فضاء المشاهدة، فإذا ما جاهد المريد نفسه بإدامة الذكر وصدق الافتقار، نزع الله من صدره أشواك الأنانية ليغرس مكانها رياحين الرضا؛ إنها رحلة من ظلمات الحقد إلى أنوار البصيرة، حيث لا يترك الكريم قلباً فرغ من السوى إلا ملأه بالبهاء والهدى، هناك يرى العارف الأشياء بعين الحق لا بعين الخلق، فيستوي عنده المنع والعطاء، ويغدو قلبه جنة معجلة قبل جنة المآب؛ فيا من تروم الوصل، طهر إناءك ليصب فيه ساقي القلوب شراب التسليم والرضا.



