شرع الله تعالى لعباده التوبة والإنابة إليه، وحثهم عليها ورغبهم فيها، فقد قال جل وعلا: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) [الزمر: 53-54]. وقال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [البقرة: 222]. وقد أجمعت دلائل الكتاب والسنة على وجوب التوبة والاستغفار من الذنب، ولزوم المبادرة إليها.
شروط التوبة
للتوبة شروط خمسة أساسية، وهي:
- الإخلاص: وهو أن يقصد بتوبته وجه الله عز وجل.
- الإقلاع عن الذنب: أي التوقف عن فعله فورا.
- الندم على فعله: الشعور بالأسف والحسرة على ما بدر منه.
- العزم على عدم الرجوع إليه: أي اتخاذ قرار بعدم العودة إلى هذا الذنب مستقبلا.
- أن تكون التوبة قبل الغرغرة: أي قبل أن يصل العبد إلى حالة الموت.
هذه الشروط فيما إذا كان الذنب بين العبد وربه، كشرب الخمر مثلا. أما إذا كان الذنب يتعلق بحق العباد، فلا بد من إبراء الذمة من هذا الحق، فإن كانت مظلمة استحلها منه، أو حقا رده إليه، بالإضافة إلى الشروط الخمسة المذكورة.
حال التائب بين الرجاء والخوف
ينبغي للعبد إذا تاب أن يكون حاله بين رجاء قبول التوبة ومخافة العقاب من الله تعالى، مصداقا لقوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) [المؤمنون: 60]. وقد روى الترمذي بإسناد ثابت أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت: "أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟" فقال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات".
علامات صدق التوبة
هناك أمارات يستأنس بها على صدق توبة العبد، منها:
- أن يجد حرقة في قلبه على ما فرط منه في جنب الله.
- أن ينظر لنفسه بعين التقصير في حق الله الجليل.
- أن يكون أشد تجافيا عن الذنب وعن أسبابه، نائيا بنفسه عن هذه الموارد.
- أن يقبل على ربه ومولاه، وينظر إلى توفيق الله له بالتوبة على أنه نعمة عظيمة من أعظم النعم عليه.
آيات تكفير الذنوب
وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تبشر بتكفير الذنوب لمن تاب واستغفر، منها:
- (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) [النصر: 3].
- (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) [نوح: 10-12].
- (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) [النساء: 31].
- (واستغفروا الله إن الله كان غفورا رحيما) [النساء: 106].
- (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) [النساء: 110].
- (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله) [هود: 3].
- وقصة يوسف عليه السلام مع إخوته: (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) [يوسف: 91-92].
- (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) [يوسف: 97-98].
- (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) [التحريم: 8].
والقاعدة أن الأعمال الصالحة تمحو بإذن الله الأعمال السيئة، وهي ما يسمى بصغائر الذنوب، قال تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) [هود: 114]. أما ما كان متعلقا بحق العباد، فلا بد فيه من إبراء الذمة.



