في مختبرات الدفع النفاث التابعة لوكالة ناسا في جنوب كاليفورنيا، يكتب المهندسون فصلاً جديداً من رحلة البشرية نحو المريخ، بعد نجاح اختبار محرك الدفع الكهرومغناطيسي البلازمي بقدرة مذهلة بلغت 120 كيلوواط، وهو أعلى مستوى طاقة يسجله نظام دفع كهربائي في تاريخ الولايات المتحدة.
محرك البلازما: القوة الكهربائية تتحول إلى دفع فضائي
لفهم ضخامة الإنجاز، يمكن مقارنة الـ120 كيلوواط بالطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل عشرة منازل كاملة أو قوة محرك سيارة حديثة، لكن هذه القوة مكرسة بالكامل لدفع مركبة فضائية في فراغ الكون، حيث لا هواء ولا احتكاك يعيقان الانطلاق.
يعتمد المحرك على تحويل مادة الليثيوم إلى بلازما مشحونة كهربائياً، مستفيداً من خواص الليثيوم المثالية، إذ يحتاج إلى طاقة منخفضة جداً للتحول إلى بلازما، ويوفر دفعاً قوياً بفضل كتلته المثالية مقارنة بالهيدروجين الخفيف جداً.
صمود أمام حرارة هائلة وجحيم مغناطيسي
خضع المحرك لاختبارات قاسية داخل غرف تفريغ تحاكي بيئة الفضاء، حيث بلغت حرارة أقطاب التنغستن المصنوعة من المعدن الصلب أكثر من 2760 درجة مئوية، لتتوهج بلون أبيض ساطع يكاد يذوب. ورغم هذه الظروف، أظهر المحرك استقراراً مذهلاً خلال خمس دورات اشتعال ناجحة، مؤكداً أن التصميم الهندسي قادر على تحمل الضغوط الكهرومغناطيسية الهائلة.
نحو مستقبل الدفع النووي الكهربائي
رغم ضخامة إنجاز الـ120 كيلوواط، يطمح الباحثون في ناسا للوصول إلى قدرات تتراوح بين 500 كيلوواط و1 ميغاواط لكل محرك، وهو ما يعادل قوة محرك قطار ركاب كامل أو طائرة بوينغ صغيرة. لرحلة بشرية متكاملة إلى المريخ، تحتاج المركبات إلى منظومة دفع إجمالية تصل إلى 4 ميغاواط، تعمل بشكل مستمر لأكثر من 23 ألف ساعة، أي ما يقارب سنتين ونصف من التشغيل المتواصل.
دمج هذه المحركات مع مفاعلات نووية فضائية سيمكن البشر من حمل أطنان إضافية من المعدات والأطقم، تقليص زمن الرحلة بشكل كبير، وزيادة سرعة المركبات في الفضاء العميق، ليصبح الحلم القديم بالوقوف على سطح الكوكب الأحمر أقرب من أي وقت مضى.
محرك البلازما من النظرية إلى واقع فضائي
يرى الباحثون أن نجاح هذا المحرك يثبت أن الأمر لم يعد مجرد نظريات فيزيائية أو محاكاة علمية، بل محرك حقيقي وعملي، يفتح الباب أمام حقبة جديدة من السفر البشري لمسافات طويلة عبر النظام الشمسي.



