حزب العدل يفتح النقاش حول قدرة القوانين الحالية على مواجهة تفاقم العنف الأسري
أعادت مطالبة النائبة نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ المصري عن حزب العدل، بإعداد دراسة أثر تشريعي للمادة (60) من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937، فتح باب النقاش حول واحدة من أكثر المواد إثارة للجدل في قضايا العنف الأسري. فالنص الذي وُضع قبل نحو تسعة عقود، يعود اليوم إلى الواجهة في ظل تحولات اجتماعية وحقوقية متسارعة، أعادت طرح تساؤلات جوهرية بشأن حدود الإباحة الجنائية ومعاييرها.
عقوبة ارتكاب الجرائم بـ “نية سليمة” وإشكالات التطبيق العملي
تنص المادة (60) على عدم سريان أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتُكب بنية سليمة تنفيذًا لحق مقرر بمقتضى الشريعة. وقد صيغ النص عام 1937 في سياق اجتماعي وقانوني يختلف جذريًا عن الواقع الراهن، حيث لم تكن مفاهيم الحماية من العنف الأسري أو السلامة النفسية قد تطورت بالقدر الذي تشهده المنظومة التشريعية اليوم.
ويرى قانونيون أن الإبقاء على النص بصيغته الحالية، دون تحديد دقيق لمفاهيمه، جعله عرضة لاجتهادات قضائية متباينة، خاصة في القضايا التي يُثار فيها الدفع بـ“حسن النية” أو “حق التأديب”. وبحسب المذكرة الإيضاحية التي تقدمت بها النائبة، فإن التطبيق العملي أفرز حالات تم فيها التوسع في تفسير مفاهيم عامة وفضفاضة، ما ترتب عليه – في بعض الوقائع – تخفيف العقوبات أو صدور أحكام بالبراءة في أفعال تنطوي على عنف داخل الأسرة.
خطورة غموض مصطلح “النية السليمة” وضرورة الضبط التشريعي
ويشير مختصون إلى أن غموض مصطلحي “النية السليمة” و“الحق المقرر” يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، في ظل غياب معيار تشريعي واضح يضبط نطاقهما. كما تبرز إشكالية تحديد المرجعية الفقهية لعبارة "بمقتضى الشريعة"، وما قد ينتج عنها من اختلاف في التفسير بين الدوائر القضائية وبين فلسفة الإباحة وحدود الحماية.
تقوم فلسفة المادة (60) على مبدأ الإباحة المشروطة، أي إقرار أفعال قد تبدو في ظاهرها مجرّمة إذا توافرت فيها شروط محددة. غير أن تصاعد الوعي المجتمعي بخطورة العنف الأسري، وتزايد المطالب بتعزيز حماية المرأة والطفل، دفعا نحو إعادة النظر في مدى اتساق النص مع مبادئ الشرعية الجنائية وصون الكرامة الإنسانية.
ويرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء النص، بل في إعادة صياغته بما يضمن التوازن بين سلطة التربية المشروعة ومنع استغلالها كغطاء قانوني لأفعال تنطوي على إيذاء بدني أو نفسي.
مقترح حزب العدل لضبط مصطلحات “حسن النية” و“حق التأديب”
المقترح الذي طرحته النائبة يتضمن إضافة فقرة تقيد نطاق الإباحة بضوابط الضرورة والتناسب، مع النص صراحة على عدم الاعتداد بحسن النية أو بحق التأديب أو الولاية إذا انطوى الفعل على عنف، خاصة إذا وقع على الزوجة أو الأبناء. ويهدف التعديل، بحسب مقدميه، إلى سد الثغرات التفسيرية دون المساس بدور الأسرة أو تقويض سلطة التربية، مع التأكيد على تطبيق النصوص العقابية حال تجاوز حدود الإباحة.
يمكن القول أن إعادة فتح ملف المادة (60) تعكس توجهًا أوسع نحو تقييم الأثر التشريعي للنصوص القائمة، ومدى ملاءمتها للواقع الاجتماعي الراهن. وبين من يرى أن النص بحاجة إلى ضبط تشريعي دقيق، ومن يخشى المساس ببعض المفاهيم التقليدية المرتبطة بالولاية والتأديب، يبدو أن البرلمان مقبل على نقاش قانوني ومجتمعي واسع، قد يعيد رسم حدود العلاقة بين الإباحة الجنائية والحماية الأسرية في القانون المصري.



