لو كان هناك فيلم سينمائي يجسد سماحة الإسلام، لما وجدنا أفضل من فيلم "برشامة". وإذا كان الفهم العقلاني المستنير للدين يعني أن المعاملة تسبق العبادات، فإن هذا العمل الدرامي يقدم صورة رائعة لشاب ريفي مسلم يتصرف بالفطرة والبراءة، من خلال شخصية عبد الحميد التي يجسدها هشام ماجد.
أخلاقيات الشاب المتدين في الفيلم
تمسك عبد الحميد بثوابت الدين وقيمه، رافضًا الكذب والغش والخداع والمخدرات والعري. كما أظهر إيثارًا للآخرين رغم ما تعرض له من ضغوط في لجنة الامتحان، حيث تم تكبيده ووضع بلاستر على فمه لمنعه من رفض الغش. ولم تستطع الراقصة إغراءه، بل ضحى بمستقبله ليكتب اسمها على ورقة إجابته. كما رفض تسليم زميلته لأخيها الذي أراد تزويجها رغماً عنها، وأصر على الاعتذار لها بعد عبارة "أنا مش ممكن أتجوز واحدة زيك".
عانى عبد الحميد من عقدة الذنب لشعوره بتسببه في وفاة مراقب اللجنة، رغم أن ذلك غير صحيح. وفي النهاية، راجع نفسه وقبل مصافحة الراقصة بعد أن استند إلى رأي الإمام أبي حنيفة الذي أجاز المصافحة، بعد أن كان يرفضها طوال الفيلم استنادًا إلى رأي الإمام ابن حنبل. المرة الوحيدة التي كذب فيها كانت لإنقاذ زملائه في اللجنة. وهو لم يكن منغلقًا أو متطرفًا، بل رفض العنف ولم يؤذِ أحدًا.
قضية الغش في الامتحانات
يناقش الفيلم ظاهرة الغش في الامتحانات باستخدام سماعات الأذن والساعات الذكية والميكروفونات، والتي انتشرت مؤخرًا. ويعالج هوس الحصول على الشهادة بكل وسائل الغش والخداع لأغراض مادية وانتهازية. والدليل على انتشارها هو فيديوهات أطباء يروون تجاربهم مع طالبات فشلن في إخراج سماعات صغيرة من آذانهن بعد الامتحان.
لجنة الامتحان كمرآة للمجتمع
تتحول لجنة الامتحان في الفيلم إلى مرآة مصغرة للمجتمع: الشاب القروي المتدين الذي يدخل الامتحان لتحسين مجموعه رغم حصوله على 92% ليلتحق بكلية الهندسة، وينوي بيع فدانيه لبناء مسجد. والسيدة العجوز التي تريد الشهادة لزيادة معاشها 760 جنيهاً. وراقصة الكباريه التي يلفظها المجتمع وتريد ألا تعمل طفلتها بنفس المهنة. وابن العمدة الذي لا يجيد القراءة والكتابة، ويرتكب والده كل الموبقات لتمكينه من الغش عبر سماعة في أذنه ملفوفة بشاش ليوهم المراقب بأنه مصاب. والشابة المتفوقة التي تريد إكمال تعليمها رغم رفض أخيها. والسجين البلطجي الذي جاءت به الشرطة من محبسه ويتمنى الالتحاق بمسابقة مكتبتي في السجن.
أحداث الفيلم
تدور الأحداث داخل لجنة ثانوية عامة منازل في إحدى قرى محافظة الدقهلية. تجمع الصدفة بين الشاب الريفي والراقصة في ميكروباص متجهين لأداء امتحان اللغة العربية. تطلب منه الراقصة حمل طفلتها الرضيعة لتتمكن من إخراج أدوات المكياج، لكن الرضيعة تتبول على ملابسه. فيطلب من جاره الإمساك بورقة الأذكار لأنه لم يعد طاهرًا، ويرفض الإجابة طوال ساعات الامتحان الثلاث حتى يتطهر، متمسكًا بعدم الغش وعدم المساعدة في غش زملائه.
تحليل الشخصيات والسيناريو
لا تعنيني مشاهد "الاسكتشات" التي تخرج عن السياق من أجل الضحك، فهي تمثل شرائح موجودة بالفعل في المجتمع. وسخرية الدراما من المتدين الذي يريد منع الغش ليست جريمة. الفيلم جسد صورة جميلة لشاب مسلم موجود في مجتمعنا بكثرة، يتصرف بعفوية وبراءة. صحيح أنه بالغ في رفضه أداء الامتحان، إذ تجوز قراءة القرآن بعد بول الطفل، لكن هذه المبالغة لا تسيء للدين بل تظهر تمسكه بالثوابت.
السيناريو حمل عبارات قد تحتمل أكثر من معنى، مثل: "مانا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا وهو ده التحدي"، و"قسمًا بالله لو الجنة كده لأخد جهنم بالحضن"، و"أنا ياما غلطت وتوبت واتقبلت تاني يوم". لكن كلمات عبد الحميد لا تسيء للدين، مثل: "مش هقرب من كلام ربنا إلا لو طاهر"، و"انتم لو دخلتم مسابقة فسق تاخدوا المركز الأول"، و"ابن حنبل قال لا يجوز"، و"ما ينفعش تحلف في الحمام هتتلبس وهتتسخط".
الإخراج والكتابة
المخرج والسيناريست خالد دياب وشقيقته شيرين دياب يواصلان تألقهما بعد مسلسل "أشغال شقة" الناجح مع هشام ماجد ومصطفى غريب. يثبتان بهذا الفيلم الكوميدي العبقري أنهما من أفضل كتاب الدراما الكوميدية الواقعية التي تعالج مشاكل مجتمعية مثل الغش بالسماعات والميكروفونات، وتمكين غير القادرين على القراءة والكتابة من الحصول على شهادات. لكنهما وقعا في خطأين: دخول العمدة المسجد في صلاة الظهر الساعة 12 لاستخدام الميكروفون لتغشيش ابنه، بينما الامتحان انتهى في الثانية عشرة. والثاني أن هشام ماجد كتب اسم الراقصة على ورقة إجابته وسلمها لها قبل تسليم الإجابات، بينما كانت قد كتبت اسمها على ورقتها، مما يعني وجود ورقتين للراقصة.
خلاصة
فيلم "برشامة" واحد من أفضل الأفلام الكوميدية التي تعالج قضايا مجتمعية حقيقية في إطار ساخر. أزمته مع التيارات المحافظة لن تكون الأخيرة، ولن تنتهي عند اعتراض حزب النور وبيانات اتحاد النقابات الفنية ورئيس اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين. فالسينما والدراما المصرية لن تتوقف عن تجسيد الواقع وفتح نوافذ الإبداع.



