تشهد الدولة المصرية خلال المرحلة الحالية حراكًا اقتصاديًا واسعًا يعكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز بيئة الاستثمار، ودعم الصناعة الوطنية، وتحفيز النمو الاقتصادي، في ظل حزمة من الإجراءات التي أعلنتها الحكومة مؤخرًا، وعلى رأسها التسهيلات الضريبية والجمركية، إلى جانب التوسع في افتتاح المشروعات التنموية والصناعية، ومناقشة الموازنة العامة الجديدة للدولة بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الراهنة.
وفي ظل هذا الحراك، تتزايد التساؤلات حول مدى قدرة هذه السياسات على إحداث تحول حقيقي في الاقتصاد المصري، وانعكاسها على الاستثمار والإنتاج وفرص العمل. وفي هذا الإطار، أجرى الحوار مع المهندس محمد مصطفى كشر، عضو لجنة الصناعة بمجلس الشيوخ، للوقوف على رؤيته حول هذه الملفات المهمة.
تقييم حزمة التسهيلات الضريبية والجمركية
أكد المهندس محمد كشر أن حزمة التسهيلات الضريبية والجمركية التي أعلنتها الحكومة مؤخرًا تمثل واحدة من أهم الخطوات الإصلاحية خلال السنوات الأخيرة، لأنها تستهدف بشكل مباشر تخفيف الأعباء عن المستثمرين، وتحسين بيئة الأعمال في مصر. وأشار إلى أن ما يميز هذه الحزمة أنها لا تركز فقط على زيادة الإيرادات، بل على توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، وهو ما يخلق نموًا مستدامًا على المدى الطويل.
وأوضح كشر أن أبرز ما تتضمنه هذه التسهيلات يتمثل في خفض ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية إلى 5% بدلًا من 14%، وهو ما يشجع الصناعة والإنتاج، بالإضافة إلى إعفاء خدمات الترانزيت من الضريبة، وهو أمر يعزز موقع مصر كمركز لوجيستي عالمي. كما أن الاتجاه لإلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على البورصة واستبدالها بضريبة دمغة مبسطة يمثل خطوة مهمة لتنشيط سوق المال وزيادة السيولة.
وبخصوص أثر هذه الإجراءات على الاقتصاد، أكد كشر أن التأثير لن يكون لحظيًا بالكامل، لكنه سيظهر تدريجيًا، فالمستثمر عندما يشعر بالاستقرار والوضوح في السياسات الضريبية، يبدأ في التوسع، وهذا ينعكس على التشغيل والإنتاج خلال فترة قصيرة إلى متوسطة.
قانون إنهاء المنازعات الضريبية والموازنة الجديدة
أشاد كشر بخطوة مد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية، معتبرًا أنها مهمة جدًا لأنها تعالج واحدة من أكبر المشكلات التي كانت تواجه المستثمرين، وهي تراكم النزاعات. وأكد أن تسوية المنازعات بشكل سريع يفتح الباب أمام ضخ استثمارات جديدة بدلًا من تعطيلها.
وفيما يخص الموازنة العامة الجديدة، أشار كشر إلى أنها تعكس توازنًا مهمًا بين الالتزام الاجتماعي والدعم الاقتصادي، فهناك اهتمام واضح بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه دعم واضح لقطاع الصناعة والاستثمار. وأضاف أن الموازنة الحالية قادرة على تحقيق النمو المطلوب إذا تم تنفيذها بكفاءة، مشيرًا إلى أن التحدي ليس في الأرقام فقط، بل في كفاءة التنفيذ، والدولة تتحرك حاليًا في اتجاه تحسين إدارة الموارد وتقليل الهدر.
وحول توجه الدولة نحو توسيع القاعدة الضريبية، أكد كشر أن هذا توجه صحيح، لكن الأهم أن يتم بشكل عادل دون تحميل المواطن أعباء إضافية، فالمطلوب هو دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية، وليس زيادة الضغط على القطاع الرسمي فقط.
دور الصناعة والمشروعات القومية
شدد كشر على أن الصناعة أصبحت محورًا رئيسيًا في الموازنة الجديدة، حيث أصبح هناك إدراك بأن أي نمو اقتصادي حقيقي لن يتحقق بدون صناعة قوية، لذلك نرى دعمًا واضحًا للمصانع الجديدة والتوسع في المناطق الصناعية.
وأشاد بجولات رئيس الوزراء وافتتاحاته للمشروعات الصناعية، مؤكدًا أنها تعكس المتابعة الميدانية المباشرة من الدولة، وافتتاح المصانع على أرض الواقع يعطي رسالة قوية بأن الدولة لا تضع خططًا فقط، بل تنفذ وتتابع. وأوضح أن الفائدة الاقتصادية المباشرة من هذه المشروعات تتمثل في ثلاث نقاط رئيسية: توفير فرص عمل مباشرة للشباب، زيادة الصادرات وتقليل الاستيراد، ورفع القيمة المضافة للمنتج المحلي.
وأكد كشر أن هذه المشروعات قادرة على تغيير شكل الاقتصاد المصري إذا استمرت بنفس الوتيرة، حيث سنشهد تحولًا تدريجيًا نحو اقتصاد إنتاجي يعتمد على التصنيع والتصدير بدلًا من الاستيراد.
مناخ الاستثمار ومستقبل الصناعة
أشار كشر إلى أن مناخ الاستثمار في مصر يشهد تحسنًا واضحًا، خاصة مع التسهيلات الضريبية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين البنية التحتية، لكن لا يزال هناك حاجة لمزيد من المرونة الإدارية. وأضاف أن مستقبل الصناعة في مصر واعد جدًا، خاصة مع التوجه نحو توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي، فمصر تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لتكون مركزًا صناعيًا إقليميًا.
وفي ختام الحوار، وجه كشر رسالة حول المرحلة الاقتصادية الحالية، مؤكدًا أن الدولة تسير في الاتجاه الصحيح، لكن النجاح الكامل يتطلب استمرار الإصلاحات، وتكاتف الحكومة والقطاع الخاص، وتحقيق الاستقرار التشريعي. وأوضح أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد المصري، فالتسهيلات الضريبية والجمركية، إلى جانب التوسع في المشروعات الصناعية والتنموية، تشكل قاعدة قوية لبناء اقتصاد أكثر استقرارًا وقدرة على المنافسة، إذا استمرت السياسات الإصلاحية بنفس الزخم خلال السنوات المقبلة.



