يتساءل الكثيرون عن سبب بدء السنة الهجرية بشهر المحرم، وهو شهر حرام تضاعف فيه الحسنات وتغلظ فيه السيئات. يعود هذا الفضل إلى حكمة إلهية واجتهادات صحابية. نستعرض فيما يلي الأسباب والعوامل التي جعلت المحرم فاتحة العام الهجري.
قرار عمر بن الخطاب
جمع الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الصحابة للتشاور حول التقويم الإسلامي. أشار البعض إلى التأريخ بمولد النبي أو البعثة أو الهجرة. استقر الرأي على الهجرة لأنها فرقت بين الحق والباطل. ثم اختاروا المحرم بداية للسنة لأنه الشهر الذي يلي موسم الحج، حيث يعود الحجاج وقد غفرت ذنوبهم، فيبدأون حياة جديدة.
الحكمة من افتتاح السنة بشهر حرام
افتتح الله السنة بشهر حرام (المحرم) واختتمها بشهر حرام (ذي الحجة). هذا الترتيب يعظم شأن هذه الأشهر ويجعلها فرصة للتوبة والعبادة. كان السلف الصالح، كأبي عثمان النهدي، يعظمون العشر الأولى من المحرم وذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان.
سبب تسمية التقويم الهجري
التقويم الهجري سمي بهذا الاسم نسبة إلى هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة. رغم أن الهجرة كانت في ربيع الأول، إلا أن المسلمين جعلوا بداية العام في المحرم، لأن الهجرة كانت حدثًا مفصليًا أعطى المسلمين وطنًا وهويتهم.
قصة نشأة التقويم
قبل عهد عمر، لم يكن للمسلمين تقويم موحد. حدث أن أبا هريرة كتب إلى عمر: "حدث في رجب"، فسأله عمر: "في أي رجب؟"، مما أظهر حاجة التأريخ. جمع عمر الصحابة، واقترح البعض التأريخ بمولد النبي أو البعثة أو الهجرة. قال عمر: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها".
لماذا المحرم وليس ربيع الأول؟
على الرغم من أن الهجرة النبوية تمت في ربيع الأول، فإن المحرم اختير بداية للسنة لأسباب عدة: أولاً، لأن ترتيب الشهور كان ثابتًا منذ الجاهلية، ولا يمكن قلب التقويم. ثانيًا، لأن الهجرة نفسها بدأت قبل وصول النبي إلى المدينة، حيث هاجر صحابة قبله بأشهر. ثالثًا، لأن المحرم يلي ذا الحجة، فيكون بداية طبيعية لدورة حج جديدة.
الروايات حول الهجرة
بعض القصص الشائعة، مثل بيضة اليمامة وخيوط العنكبوت أمام غار ثور، لا سند صحيح لها. ظهرت هذه الروايات مع الإمام الحلبي في كتابه "إنسان العيون"، ولكنها لم تثبت في المصادر الموثوقة.
التقويم القمري في الإسلام
التقويم الهجري يعتمد على دورة القمر، كما أمر الله في القرآن: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ" (التوبة: 36). الأشهر الحرم هي: رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم. أول أيام هذا التقويم كان الجمعة 1 محرم سنة 1 هجرية.
فوائد بدء العام بالمحرم
- فرصة لبداية جديدة بعد موسم الحج والمغفرة.
- تذكير بأهمية الأشهر الحرم وتقديرها.
- ربط المسلمين بوحدتهم التاريخية والدينية.
- تشجيع على الأعمال الصالحة في بداية العام.
بهذه الأسباب والعوامل، أصبح المحرم فاتحة السنة الهجرية، حاملاً معاني التوبة والبدايات الجديدة، ومذكرًا المسلمين بهجرتهم العظيمة.



