أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي حول سبب الاحتفال بهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهر المحرم، رغم أن الهجرة الفعلية كانت في شهر ربيع الأول. وأوضحت الدار أن العزم على الهجرة والاستعداد لها كان في شهر المحرم، ولذلك جعل بداية العام الهجري شهر المحرم، ويكون الاحتفال بالهجرة بمعناها العام لا بخصوص يومها.
الحكمة من جعل الهجرة النبوية بداية التقويم الإسلامي
الهجرة حدث عظيم في تاريخ الأمة الإسلامية، استحقت أن تكون بداية للتقويم الإسلامي؛ لما مثلته من معانٍ سامية ورفيعة. كانت دليلًا جليًّا على تمسك المؤمنين بدينهم، حيث هاجروا إلى المدينة تاركين وطنهم وأهلهم وأموالهم، لا يرغبون في شيء إلا في العيش مسلمين لله تعالى. ولذلك مدحهم الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]. كما كانت الهجرة البداية الحقيقية لإقامة بنيان الدولة، ووضع أحكامها التشريعية التي صارت أساسًا لإنشاء النظم المجتمعية، وضبط العلاقات الإنسانية والدولية، وإقرارًا لمبدأ التعايش والتعددية.
بداية التقويم الهجري وأول من وضعه
كانت العرب في أول الأمر تؤرخ بعام الفيل، وهو عام مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولم يزل التاريخ كذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إلى أن ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجمع الصحابة واتفقوا على جعل الهجرة بداية للتقويم الإسلامي. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" أن الصحابة تشاوروا في التاريخ، فأجمعوا على الهجرة. وروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة". وذكر ابن كثير أن الصحابة قالوا: من أي السنين نبدأ؟ فقالوا: من مبعثه، وقالوا: من وفاته، ثم أجمعوا على الهجرة. ثم قالوا: وأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرم؛ فهو منصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام، فاجتمعوا على المحرم.
سبب التاريخ للعام الهجري بشهر المحرم
من المعلوم أن دخول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة كان في شهر ربيع الأول، وإنما كان العزم على الهجرة والاستعداد لها في شهر المحرم بعد الفراغ من موسم الحج الذي وقعت فيه بيعة الأنصار. وقد حاول العلماء طلب مناسبة اختيار المحرم لبداية التاريخ، فذكروا حرمته وفضله. قال الحافظ السخاوي في "فتح المغيث": "لكونه شهر الله، وفيه يُكسى البيت، ويُضرب الوَرِق، وفيه يوم تاب فيه قوم فتيب عليهم". وقيل: لأن فيه اجتماعًا للأشهر الحرم في السنة الواحدة. وقيل: "لكونه وقت انصراف الناس وصدرهم إلى بلادهم؛ قالوا: قدم المدينة في ربيع الأول؛ لأنه منصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مناسبة؛ فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده، ومبعثه، وهجرته، ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه؛ لما يوقع ذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة. وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم؛ إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم".
الحكمة من الاحتفال بالسنة الهجرية في شهر المحرم
أما فيما يتعلق بالاحتفال بالسنة الهجرية في شهر المحرم من كل عام، فهو احتفال بما مثلته من معانٍ سامية ورفيعة، كالرغبة في العيش بسلام، وهجران كل قبيح إلى كل صحيح، وذلك بمجاهدة النفس وتزكيتها. وهو أمر مرغوب فيه شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» رواه الشيخان. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» رواه البخاري. وفي الاحتفال بهذا الموسم المبارك امتثال للأمر القرآني بتذكر أيام الله تعالى، وما فيها من نعم وعبر وآيات؛ قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]. وكذلك هو وسيلة لتذكر نصر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في الهجرة على مشركي مكة، بأن يسر له أمر الانتقال إلى المدينة والدعوة إلى الله فيها وحفظه من إيذاء المشركين، وانتقل بذلك من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، مما كان سببًا لنصرة الإسلام وسيادته؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، والوسائل لها حكم المقاصد.



