يشكل التراث الثقافي بمختلف أنواعه، من مواقع أثرية ومعالم تاريخية وموروثات مادية وغير مادية، إحدى أهم ركائز تشكيل الهوية الوطنية للشعوب وصياغة ذاكرتها الجماعية. ومع تصاعد النزاعات المسلحة في عدد من مناطق العالم، أصبح هذا التراث عرضة للاستهداف بجميع أشكاله، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة لا تتوقف عند حدود الخسائر المادية، بل تمتد إلى تفكيك البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات، وإضعاف شعورها بالانتماء والاستمرارية التاريخية.
التراث هوية وذاكرة
في هذا السياق، قال الدكتور فكري حسن، أستاذ الآثار والتراث، إن تدمير المواقع التراثية لا يمثل خسارة مادية أو معمارية فحسب، بل يشكل خسارة فادحة للإنسانية بأسرها، نظراً لما تحمله هذه المواقع من قيمة تاريخية وثقافية تتوارثها الأجيال عبر الزمن. وأوضح أن التراث يعد وسيلة أساسية لنقل المعرفة والقيم والخبرات الإنسانية من جيل إلى آخر، الأمر الذي يجعل فقدانه سبباً في انقطاع جزء مهم من الذاكرة الجماعية للشعوب.
وأكد «فكري» أن المواقع التراثية ليست مجرد مبانٍ أو شواهد حجرية صامتة، بل هي سجل حي لتاريخ الأمم ومرآة تعكس تطور المجتمعات عبر العصور. لافتاً إلى أن استهدافها أو تدميرها يعني عملياً قطع الصلة بين الحاضر والماضي، وإضعاف قدرة المجتمعات على فهم ذاتها وتفسير مسارها التاريخي، ما ينعكس مباشرة على تماسكها الداخلي.
أهمية التراث في بناء الوعي الوطني
ويشير أستاذ الآثار إلى أن المواقع التراثية والمعالم التاريخية لا تقتصر أهميتها على كونها شواهد على الماضي، بل تمثل جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمعات، وتسهم في تعزيز شعور الأفراد بالانتماء إلى تاريخهم وإرثهم الحضاري. إذ إن كل موقع أثري أو معلم تاريخي يحمل في داخله طبقات من الذاكرة الجمعية، تتجسد فيها قصص الشعوب وتجاربها وتحولاتها، ما يجعله عنصراً محورياً في بناء الوعي الوطني.
ويتابع: «ولذلك فإن تدميرها يترك آثاراً تتجاوز حدود الخسائر المادية لتطال البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع»، مؤكداً أن فقدان التراث يؤدي إلى إضعاف الروابط التي تجمع أفراد المجتمع بتاريخهم المشترك، ويقوض استمرارية القيم والتقاليد التي تشكل هوية الشعوب عبر الأجيال.
التراث في مرمى الصراعات
ويرى متخصصون أن استهداف التراث خلال الحروب لا يمكن فصله عن السياقات السياسية والصراعية، إذ يُستخدم في بعض الحالات كأداة رمزية لإضعاف الخصم عبر ضرب رموزه التاريخية والثقافية. كما أن تدمير المواقع التراثية يسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي بالقوة، من خلال فرض روايات جديدة أو محو روايات قائمة، بما يهدد التعددية التاريخية والثقافية للمجتمعات.
مسؤولية المجتمع الدولي
ويضيف «فكري» أن استهداف المواقع التراثية خلال النزاعات والحروب يمثل في كثير من الأحيان محاولة لمحو الذاكرة الجمعية وطمس الرموز الثقافية، التي تعكس خصوصية المجتمعات وتاريخها، ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة يصعب تعويضها حتى بعد إعادة الإعمار أو الترميم.
ومن الناحية الاجتماعية، يؤدي تدمير التراث إلى إضعاف التماسك المجتمعي، حيث يفقد الأفراد إحدى أهم نقاط الالتقاء الرمزية التي تجمعهم حول تاريخ مشترك. كما ينعكس ذلك على الأجيال الجديدة التي قد تنشأ دون اتصال حقيقي بجذورها التاريخية، ما يخلق فجوة معرفية وثقافية بين الماضي والحاضر.
وحذر أستاذ الآثار من أن استمرار استهداف المواقع الثقافية في مناطق النزاع يهدد بفقدان أجزاء مهمة من التاريخ الإنساني، ويضع مسؤولية كبيرة على عاتق المجتمع الدولي لتفعيل آليات الحماية والمساءلة: «فالمسألة لا تتعلق بتراث دولة بعينها، بل بذاكرة إنسانية مشتركة تشكل جزءاً من هوية البشرية جمعاء».
ويضيف: «فحين تُدمر الآثار والمواقع التاريخية لا تفقد الشعوب حجارة أو مباني فقط، بل تخسر جزءاً من هويتها وذاكرتها الجماعية، بينما تخسر الإنسانية صفحات من تاريخها المشترك قد لا يمكن استعادتها مرة أخرى». مشدداً على أن حماية التراث ليست مجرد التزام ثقافي أو أكاديمي، ولكن ضرورة إنسانية وأخلاقية تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً، وتفعيل القوانين والاتفاقيات ذات الصلة، إلى جانب تعزيز الوعي العام بأهمية التراث، بوصفه جزءاً من الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية، وضمان عدم تحوله إلى ضحية صامتة في ساحات الصراع.



