عبد الغني العيادي يكتب: المأزق العربي.. حين يصبح الضعف مصنعاً للخصوم
كتب: محرر | 06:38 م | الأربعاء 10 يونيو 2026
عندما يُطرح سؤال الخطر على الأمن القومي العربي، تنطلق أغلب التحليلات من الخارج إلى الداخل، فتبدأ بتحديد الخصوم، ثم قياس حجم التهديد، قبل العودة إلى البحث عن أسباب العجز. غير أن هذا المنطق يحتاج إلى مراجعة نقدية؛ لأنه يفترض أن الخطر قائم بذاته، بمعزل عن حالة الطرف المُهدَّد. الواقع يقول شيئاً مختلفاً: في لحظات الضعف البنيوي، يصبح كل من يحيط بك خصماً محتملاً، لا لأن الجميع أعداء بطبيعتهم، بل لأن الضعف يُغري بالاختراق.
المصالح والضعف البنيوي
فالعداوات لا تدوم، كما لا تدوم الصداقات، بينما تبقى المصالح وحدها الثابت الحقيقي. والمصالح لا تُبنى إلا على تعريف واضح للذات: من نحن؟ ماذا نريد؟ وما الذي نسعى لحمايته؟ أمة لا تحسم تعريفها الاستراتيجي لنفسها، لن تستطيع التمييز بين خصمها وصديقها، ولا بين التهديد والفرصة. وفي هذا التيه، يصبح الخصم كل من يملك القوة، بينما يتحول الصديق إلى مجرد من يمنح وهم الحماية أو البقاء.
السؤال الجوهري: من نحن؟
السؤال «من نحن؟» ليس سؤالاً إنشائياً من زمن الشعارات، بل سؤال يتعلق بالمصالح والمشروع والحدود التي ندافع عنها. ومن دون هذا التعريف، تتحول الدول إلى جغرافيا مفتوحة، يدخلها الجميع ويخرج منها الجميع. خذ أي دولة عربية واسأل: أين تنتهي مصلحة الدولة وتبدأ مصلحة المحور؟ أين ينتهي الأمن الوطني وتبدأ الولاءات الطائفية أو الحزبية أو العابرة للحدود؟ في معظم الحالات تبدو الإجابة ضبابية، وهذا الضباب هو الفراغ الحقيقي، ليس فراغاً في الأرض، بل فراغ في تعريف الذات، ومن هنا يبدأ العجز.
مطالب الشعوب العربية
بعيداً عن ضجيج الخطابات الرسمية، ما زالت الشعوب العربية تدور حول ثلاثة مطالب أساسية: الكرامة، والعدالة، والانتماء. فالكرامة ليست قيمة أخلاقية فقط، بل شرط للاستقرار. والدول التي تفقد ثقة مواطنيها تضطر إما إلى شراء الولاءات أو قمعها أو الاستقواء بالخارج، وفي كل الحالات تصبح أكثر هشاشة وقابلية للاختراق.
أما العدالة، فهي ليست مجرد مبدأ قانوني، بل أساس تماسك الدولة، فحين تغيب العدالة تزدهر الميليشيات، وحين تزدهر الميليشيات يجد الخارج بوابة مثالية للتدخّل. ويبقى الانتماء هو الحصن الأخير. فعندما ينهار الشعور الوطني الجامع، يبحث الناس عن هويات بديلة: الطائفة، أو الإثنية، أو الأيديولوجيا العابرة للحدود.
البنية التحتية للأمن القومي
لهذا، فإن هذه المطالب ليست ترفاً سياسياً، بل تمثل البنية التحتية الحقيقية للأمن القومي. فشعب مهدور الكرامة لن يحمي حدوداً، وشعب محروم العدالة لن يبني اقتصاداً قادراً على الصمود، وشعب ممزّق الانتماء سيفتح أبوابه لكل مشروع خارجي يمنحه هوية بديلة. ومن هنا أيضاً، لا تبدو الحركات الشعبوية أو الرجعية خطراً مستقلاً بقدر ما هي عَرَض من أعراض الهشاشة البنيوية، فهي تنمو داخل الفراغ، لا داخل المجتمعات المتماسكة.
لحظة التأسيس: هزيمة 1967
هذا الفراغ لم يظهر فجأة، بل له لحظة تأسيسية واضحة. فهزيمة عام 1967 دشّنت انتقالاً عميقاً من «دولة التعبئة» إلى «دولة البقاء». كانت دولة التعبئة تمتلك مشروعاً سياسياً واجتماعياً واضحاً يقوم على التحرّر والتنمية والعدالة الاجتماعية، وتمنح مواطنيها شعوراً بالمشاركة في قضية جماعية كبرى. أما دولة البقاء، التي تشكّلت بعد الهزيمة، فقد أصبح هاجسها الأساسي حماية النظام واستمراره. تحولت الدولة تدريجياً من مشروع جامع إلى كيان قطري يخشى أي مشروع يتجاوز حدوده، ومن هنا بدأ التآكل البطيء لفكرة المجال العربي المشترك، وبدأ الفراغ الاستراتيجي الذي نعيش نتائجه اليوم.
تآكل السيادة وثقافة العجز
ومع تآكل قدرة الدولة على تعريف نفسها والاستجابة لمطالب مجتمعها، بدأت السيادة تتآكل بدورها على مستويات متعدّدة. فالاختراق اليوم لم يعد يحتاج إلى جيوش، بل يكفي امتلاك منصة إعلامية أو خوارزمية قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجماعي. ففي الحروب الحديثة لا يتحقّق الانتصار بالسلاح فقط، بل بالقدرة على فرض الرواية. كما تحول العجز من حالة مؤقتة إلى ثقافة مستقرة، فأصبح «الصبر الاستراتيجي» أحياناً اسماً مهذباً لانتظار بلا أفق، وتحولت البيانات السياسية إلى بديل دائم عن الفعل الحقيقي. وفي الوقت نفسه، جرى تحييد المؤسسات العربية المشتركة، فتحولت إلى هياكل خطابية عاجزة عن التأثير، بينما تتغير موازين القوى من حولها بوتيرة متسارعة.
الخصوم والتحالفات
وفي ظل هذا الفراغ، انقسمت المنطقة إلى محاور وولاءات متصارعة، بحيث أصبح كل طرف يحتاج إلى راعٍ خارجي يحميه من الطرف العربي الآخر. وفي حالة الضعف البنيوي هذه، يصبح الخصوم كثراً ومتغيرين، ولذلك فإن الأهم ليس تعداد الأعداء، بل فهم القاعدة الأساسية: الضعف هو الذي يصنع الخصوم، لا العكس.
أنماط التهديدات
ومع ذلك، يمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من التهديدات: الأول، خطر وجودي بنيوي يتمثّل في مشروع استيطاني توسّعي يستفيد من الانقسام العربي والتفوق العسكري والتكنولوجي والإعلامي لتحقيق اختراق متراكم يصعب احتواؤه. أما الثاني، فهو قوى إقليمية ذكية لا تعتمد على الغزو التقليدي، بل على الوكلاء المحليين والشبكات العقائدية والميليشيات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، وقد نجحت لأنها وجدت فراغاً سياسياً وهوياتياً جاهزاً للاستثمار.
لكن تحديد الخصم لا يكتمل من دون تحديد الحليف. فبناء التحالفات من موقع قوة ذاتية يمثل مضاعفاً للقوة الوطنية، لا بديلاً عنها. وهنا يبرز سؤال مهم: ما القوى الدولية الأقرب إلى مصالحنا في هذه المرحلة؟ قد تمثل أوروبا، رغم تناقضاتها، فضاءً يمكن بناء علاقة عقلانية معه على أساس القانون الدولي والمصالح المشتركة، لا على أساس التبعية الأيديولوجية. فاختيار الحليف يجب أن يكون امتداداً لمشروع بناء الذات، لا تعويضاً عن غيابها.
بناء الذات العربية
الخيار الحقيقي إذن ليس مجرد ترتيب الأخطار، بل بناء ذات عربية فاعلة تعرف نفسها وتنتج قوتها. عندها فقط يصبح تحديد الخصم والصديق أمراً ممكناً. هذا البناء يبدأ من تلبية مطالب الكرامة والعدالة والانتماء، ويمر عبر إنتاج القوة المستقلة من خلال التكامل الاقتصادي وتطوير الصناعات الدفاعية وبناء استقلال معرفي وإعلامي، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات تعليمية وبحثية قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة النخب.
القوة المركبة
هذه العناصر مجتمعة تشكل ما يمكن تسميته «القوة المركبة»، أي القوة التي لا تختزل في السلاح أو الاقتصاد فقط، بل في تماسك المجتمع وثقته بنفسه وقدرته على إنتاج المعنى والمعرفة معاً. وعندما تُبنى هذه القوة، يتحول الوطن من فضاء قابل للاختراق إلى بيئة طاردة له.
الخلاصة أن المطلوب ليس البدء من الخارج، بل من الداخل، وليس من تعداد الخصوم، بل من تعريف المصالح وبناء الذات. فعندما تنجح أمة في ذلك، تتحول من مساحة مستباحة إلى فاعل تاريخي قادر على صناعة موقعه في العالم. فالعداوات لا تدوم، والصداقات لا تدوم. وحدها المصالح هي التي تبقى. وحين نحدد من نحن، يتحدد كل شيء آخر.



