اغتيال لاريجاني يكشف مرونة النظام الإيراني ويفشل رهان الحسم السريع في الحرب
اغتيال لاريجاني يكشف مرونة النظام الإيراني في الحرب

اغتيال لاريجاني: اختبار لمرونة النظام الإيراني في زمن الحرب

شكَّل اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وأحد أبرز رموز النظام الإيراني المقربين من المرشد علي خامنئي، تطورًا بالغ الأهمية في مسار الحرب الجارية. هذا الحادث لم يفضِ فقط إلى فقدان شخصية محورية كانت تُعتبر "مدير النظام" والعقل التنفيذي القادر على ضبط التوازنات الداخلية والخارجية، بل كشف أيضًا عن حقيقة عميقة تتعلق بطبيعة النظام الإيراني نفسه؛ وهي قدرته على امتصاص الضربات والاستمرار حتى في ظل استهداف قياداته العليا.

فشل رهان الحسم السريع واستراتيجية الاستنزاف

خلال فترة زمنية قصيرة، فقدت إيران رأس هرم السلطة ممثلًا في المرشد الأعلى، بالإضافة إلى عدد هائل من قيادات النظام ورموزه، وأخيرًا لاريجاني. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا الاستهداف المتكرر إلى شلل في مؤسسات الدولة أو انهيار في منظومة القرار. بل على العكس، استمرت العمليات العسكرية بوتيرة عالية تعكس درجة ملحوظة من التماسك والمرونة. على سبيل المثال، لم تتوقف الهجمات على إسرائيل، وكان آخرها الهجمات الكثيفة التي استهدفت وسط تل أبيب عبر صواريخ عنقودية ذات قدرة تدميرية هائلة، في إطار ما يُعرف إيرانيًا بـ "الموجة 61 من عمليات وعد صادق".

يشير التركيز الأمريكي والإسرائيلي على استهداف القيادات السياسية والعسكرية إلى محاولة واضحة لإحداث خلل داخلي في بنية النظام الإيراني. لكن هذا النمط من العمليات يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يعكس تفوقًا استراتيجيًا، أم أنه بديل عن عجز في تحقيق حسم عسكري سريع؟ رغم مرور أسبوعين على اندلاع الحرب، لا يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على تحقيق الأهداف السريعة التي راهن عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية العمليات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

طبيعة النظام المركبة وقدرته على الصمود

في هذا السياق، يستفيد النظام الإيراني من إحدى نقاط قوته الرئيسية، وهي طبيعته المركبة المتمثلة في تعدد مراكز القرار وعدم الاعتماد الكامل على شخص واحد، رغم مركزية موقع المرشد الأعلى. فالحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والأجهزة الاستخباراتية، والمؤسسة الدينية، جميعها تشكل شبكة متداخلة من مراكز القوة. ورغم المكانة المحورية التي كان يمثلها لاريجاني كعنصر ربط بين هذه المكونات، إلا أنه لم يكن الركيزة الوحيدة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

صُمِّم النظام منذ نشأته ليكون قادرًا على الصمود في مواجهة الأزمات عبر توزيع السلطة وتداخل الأدوار، مما يمنع الانهيار الكامل في حال غياب أحد الفاعلين الرئيسيين. وهذا ما يفسر استمرار عملية صنع القرار، وعدم حدوث فراغ فعلي على مستوى إدارة العمليات العسكرية رغم الخسائر القيادية الكبيرة. بشكل عام، لا يمكن التقليل من حجم الخسارة التي يمثلها غياب لاريجاني، نظرًا لدوره كوسيط داخلي وخارجي، وقدرته على إدارة التوازنات بين التيارات المختلفة داخل النظام.

تطورات الميدان وتأكيد التماسك الداخلي

تطورات الميدان تشير إلى أن النظام قد استطاع استيعاب هذه الخسارة وإعادة توزيع الأدوار بسرعة نسبية، مما يعكس طبيعته المؤسسية وقدرته على العمل حتى في ظل غياب شخصيات محورية. فعلى عكس المتوقع، لم تؤدِ الضربات إلى تفكيك داخلي، بل يبدو أنها عززت، ولو مؤقتًا، مساعي النظام لتأكيد تماسكه. في ظل تهديد خارجي مباشر، تميل النظم السياسية، خاصة ذات الطابع الأيديولوجي والأمني، إلى تقليص الخلافات الداخلية وتوحيد الصفوف، وهو ما يتجلى بوضوح مع استمرار العمليات العسكرية.

كما يشير ذلك إلى أن منظومة القيادة والسيطرة لا تزال تعمل بكفاءة، وأن القرار الاستراتيجي لم يتعرض للشلل. تطورات الأسبوعين الماضيين تكشف أيضًا عن فجوة بين التقديرات الأولية والواقع الميداني؛ فقد راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات المبكرة واستهداف القيادات سيؤديان إلى إضعاف سريع لإيران، وربما إلى حالة من الارتباك الداخلي، غير أن استمرار العمليات وعدم تحقق الحسم يشير إلى أن هذه الرهانات كانت مبالغًا فيها.

خلاصة واستنتاجات رئيسية

إجمالًا، يمكن القول إن الحرب الجارية تؤكد أن استهداف القيادات، رغم تأثيره، لا يكفي لإسقاط الأنظمة التي تمتلك بنية مؤسسية معقدة وقدرة على إعادة إنتاج نفسها. فالنظام الإيراني، رغم الخسائر، لا يزال – حتى الآن – قادرًا على إدارة الصراع والاستمرار فيه. وبينما تتواصل المواجهة، تتضح معادلة أساسية مفادها أن الحسم العسكري السريع ليس دائمًا ممكنًا، وأن القدرة على الصمود وإدارة الزمن قد تكون العامل الحاسم في مثل هذه الصراعات.

في النهاية، يسلط اغتيال لاريجاني الضوء على ديناميكيات الصراع المعقدة، حيث تبرز مرونة النظام الإيراني كعامل رئيسي في مواجهة استراتيجيات الحسم السريع، مما يفتح الباب أمام تحولات أوسع في المشهد الإقليمي والدولي.