باحثة إسرائيلية: تل أبيب تخطط لمنطقة عازلة بجنوب لبنان لإعادة هندسة الأمن
تل أبيب تخطط لمنطقة عازلة بجنوب لبنان

قالت ولاء عبد المرضي الحصري، الباحثة في الشؤون الإسرائيلية، إن ما كشفته صحيفة يديعوت أحرونوت بشأن مطالبة الجيش الإسرائيلي بالاحتفاظ بمنطقة عازلة في جنوب لبنان، والإصرار على تفكيك السلاح في المنطقة الجنوبية، يؤكد أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها جبهة يمكن احتواؤها بسياسة الردع التقليدية، وإنما باعتبارها ساحة تستوجب إعادة هندسة البيئة الأمنية بالكامل بما يخدم العقيدة الإسرائيلية العسكرية الجديدة.

فكرة المنطقة العازلة أصبحت جزءًا من الإستراتيجية الإسرائيلية

وأكدت في تصريح لفيتو، أن ذلك يأتي بالتوازي مع ما كشفته وكالة رويترز عن مفاوضات تجريها الحكومة الإسرائيلية مع الولايات المتحدة لضمان استمرار انتشار قواتها في جنوب لبنان، وهو ما يعكس أن فكرة المنطقة العازلة أصبحت جزءًا من الإستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى، وليست مجرد إجراء ميداني مؤقت. فمنذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، شهدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحولًا جذريًا، انتقلت فيه من فلسفة الردع والاحتواء إلى فلسفة المنع الاستباقي التي تعني إبعاد التهديد عن الحدود الإسرائيلية مهما كانت التكلفة السياسية أو العسكرية.

المؤسسة الأمنية الإسرائيلية اكتشفت أن الاعتماد على الردع وحده غير كافٍ

وواصلت حديثها قائلة: وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن ما حدث على جبهة غزة كشف أن الاعتماد على الردع وحده غير كافٍ، ولذلك أصبح هناك توجه واضح لإنشاء مناطق أمنية وفاصلة على مختلف الجبهات، سواء في غزة أو سوريا أو جنوب لبنان. كما أن الإصرار الإسرائيلي يرتبط بفشل تطبيق قرار مجلس الأمن 1701 من وجهة النظر الإسرائيلية، فتل أبيب تعتبر أن القرار الذي نص على إخلاء المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني من أي وجود مسلح غير الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، لم يُنفذ بالشكل الذي يحقق الأمن لإسرائيل، وأن حزب الله استطاع خلال السنوات الماضية إعادة بناء بنيته العسكرية وتطوير قدراته الصاروخية والاستخباراتية بالقرب من الحدود. ومن ثم، فإن إسرائيل لم تعد تثق في الضمانات الدولية، وتسعى إلى فرض ضمانات ميدانية خاصة بها.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إعادة سكان المستوطنات الشمالية أصبحت قضية سياسية وأمنية بالغة الحساسية

وأضافت لا يمكن فصل هذا التوجه عن الضغوط الداخلية التي تواجه حكومة بنيامين نتنياهو. فإعادة سكان المستوطنات الشمالية إلى منازلهم أصبحت قضية سياسية وأمنية بالغة الحساسية، والحكومة تدرك أن أي عودة دون تغيير جذري في الواقع الأمني ستُفسَّر داخليًا باعتبارها إخفاقًا في استخلاص الدروس من هجوم السابع من أكتوبر. ولذلك، تحاول القيادة الإسرائيلية تقديم المنطقة العازلة باعتبارها الضمان الوحيد لمنع تكرار سيناريو التسلل أو تنفيذ عمليات هجومية عبر الحدود.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ومن زاوية أخرى، فإن إسرائيل تسعى إلى إيجاد وتثبيت حرية العمل العسكري داخل جنوب لبنان حتى بعد أي اتفاق سياسي. فوجود منطقة عازلة يمنح الجيش الإسرائيلي مبررًا لتنفيذ عمليات استباقية ضد أي محاولة لإعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله، وهذا يتوافق مع التصريحات المتكررة لوزير الدفاع الإسرائيلي وقيادات الجيش بأن إسرائيل لن تقبل بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.

جدير بالذكر أن هذا التوجه يحمل مخاطر إستراتيجية كبيرة، فالتجربة التاريخية لـ"الحزام الأمني" الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000 انتهت بانسحابها تحت ضغط العمليات العسكرية التي قادها حزب الله، وهو ما يجعل إعادة إنتاج هذا النموذج محفوفة بالمخاطر. كما أن الإصرار على الاحتفاظ بمنطقة عازلة يتعارض مع الموقف اللبناني الرسمي، ويثير تحفظات دولية باعتباره مساسًا بالسيادة اللبنانية، الأمر الذي قد يحول هذه المنطقة إلى بؤرة توتر دائمة بدلًا من أن تكون عامل استقرار.