في بلد تتقاطع فيه طرق التجارة القديمة مع ثروات طبيعية هائلة، وتحتضن أرضه واحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا، لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى معركة مركبة تتداخل فيها الجغرافيا بالثروات، والتاريخ بالاقتصاد، والهوية بالبقاء. فبينما تتساقط القذائف فوق المدن، تتعرض المتاحف لعمليات نهب منظمة تجري في صمت، في مشهد يعكس انهيار الدولة وتفكك مؤسساتها، ويكشف عن وجه آخر للحرب لا يقل خطورة عن المعارك الدائرة في الميدان.
نهب المتاحف كاقتصاد حرب
تكشف صحيفة «وول ستريت جورنال» في تقرير لها عن «تفاصيل صادمة» حول تحول التراث الثقافي السوداني إلى مورد مالي رئيسي للفصائل المسلحة، في ظل صراع دموي طال أمده وألقى بظلاله على مختلف مناحي الحياة. وتشير الصحيفة إلى أن عمليات نهب المتاحف في السودان لم تعد حوادث عابرة أو أعمالاً فردية، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد الحرب. وتشهد شهادات مؤرخين وأمناء متاحف على أن عناصر «الدعم السريع» باتت تستهدف المؤسسات الثقافية بشكل ممنهج، وتعمل على تفريغها من محتوياتها الثمينة، تمهيداً لبيعها في السوق الدولية غير المشروعة للفنون.
خسارة الذاكرة الوطنية
تشمل هذه المقتنيات قطعاً أثرية نادرة توثق تاريخ السودان الممتد من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بالحضارات النوبية والممالك القديمة، وصولاً إلى فترات انتشار الإسلام. ويؤكد خبراء أن فقدان هذه القطع لا يعني فقط خسارة مادية، بل يمثل ضربة قاصمة للذاكرة الوطنية ومحاولة لطمس هوية بلد بأكمله. ويذهب بعض الباحثين إلى أن استهداف التراث ليس مجرد وسيلة للتمويل، بل أداة من أدوات الحرب النفسية، تهدف إلى تفكيك الروابط الثقافية والاجتماعية وإضعاف الشعور بالانتماء لدى السكان.
كارثة إنسانية غير مسبوقة
على الجانب الإنساني، تتكشف أبعاد مأساوية للحرب، حيث يعيش السودان واحدة من أسوأ الأزمات في العالم. ووفقاً لتقديرات وكالات ومنظمات دولية تابعة للأمم المتحدة، فقد أسفرت الحرب عن مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص، وتشريد نحو 13 مليوناً، في حين يواجه الملايين خطر المجاعة والأمراض. وتفيد منظمة «العمل ضد الجوع» بأن نحو 25 مليون سوداني يعانون من نقص حاد في الغذاء، وهو ما يعكس حجم الكارثة التي تضرب البلاد. وقد تفاقمت هذه الأزمة بسبب تعطل وصول المساعدات الإنسانية نتيجة الأوضاع الأمنية المتدهورة وإغلاق الطرق الرئيسية.
في الأشهر الأولى من النزاع، عاش السودان حالة من العزلة شبه الكاملة، حيث تعذر على المنظمات الدولية إيصال الإمدادات الأساسية، مما أدى إلى تدهور سريع في الأوضاع الصحية والمعيشية، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً. وقبل اندلاع الحرب، كان السودان يعاني بالفعل من هشاشة اقتصادية، لكنه اليوم يقف على حافة الانهيار الكامل، فقد تراجعت إيرادات الدولة بنسبة 80% حسب تصريحات رسمية، في وقت تتصاعد فيه معدلات التضخم والبطالة.
الذهب كمحرك للصراع
غير أن هذا الانهيار لم يمنع الأطراف المتحاربة من التنافس على الموارد، خصوصاً المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب، الذي يعد أحد أهم مصادر الدخل غير الرسمي في البلاد. ويُعتقد أن السيطرة على مناجم الذهب تمثل أحد الدوافع الرئيسية لاستمرار الصراع، إلى جانب الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر. وفي هذا السياق، تتقاطع المصالح المحلية مع أطراف دولية تسعى لتأمين إمداداتها من الموارد الطبيعية، مما يزيد تعقيد المشهد ويطيل أمد النزاع.
جذور الصراع وأطرافه
تدور رحى الحرب بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وميليشيات «الدعم السريع» بقيادة محمد دقلو المعروف باسم «حميدتي». ورغم أنهما كانا شريكين في السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في عام 2019، فإن الخلافات بينهما سرعان ما تحولت إلى صراع مفتوح. وبينما تعلقت آمال السودانيين بمرحلة انتقالية تقود إلى حكم مدني، في أعقاب الاحتجاجات الشعبية التي أنهت ثلاثة عقود من «حكم البشير»، سرعان ما تلاشت تلك الآمال مع اندلاع الصراع بين الجانبين. ورغم التوصل إلى اتفاق مبدئي في ديسمبر 2022 لإعادة السلطة إلى المدنيين، فإن الخلافات حول تفاصيل التنفيذ أدت إلى انهيار المسار السياسي، لتندلع المواجهات المسلحة في أبريل 2023 بعد تصاعد التوترات بين الطرفين.
الدعم السريع: من الجنجويد إلى لاعب رئيسي
تأسست ميليشيات «الدعم السريع» في عام 2013، وجاءت امتداداً لعصابات «الجنجويد» التي ارتبط اسمها بانتهاكات واسعة في إقليم «دارفور». وأصبحت الحركة لاعباً رئيسياً في الصراع الذي يشهده السودان حالياً، بعد أن تمكن «حميدتي» بدعم خارجي من بناء شبكة نفوذ عسكرية واقتصادية قوية، تمتد داخل السودان وخارجه. حيث شاركت عناصر من «الدعم السريع» في عدد من النزاعات الإقليمية، كما فرضت سيطرتها على عدد من مناجم الذهب، مما وفر لها موارد مالية ضخمة ساعدتها على تعزيز قدراتها العسكرية.
صمت دولي مدوٍ
ورغم حجم الكارثة، لا يحظى السودان بالاهتمام الدولي الكافي، في ظل انشغال العالم بأزمات أخرى. وحسب الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، يان إيجلاند، فإن نحو 20 مليون سوداني يعانون من الحرب المستمرة في السودان، ويرى أنه «بدأ العد التنازلي نحو الانهيار الشامل». وبعد زيارة سابقة للسودان، قال الدبلوماسي النرويجي: «قبل عشرين عاماً، قمنا بحشد الرؤساء ورؤساء الوزراء لوقف الفظائع في دارفور، يوجد الآن أضعاف عدد الأشخاص المعرضين للخطر، هذه أسوأ أزمة في العالم، لكننا نواجه صمتاً مدوياً، يجب أن نوقظ العالم، قبل أن تلتهم المجاعة جيلاً من الأطفال».
وتشير الصحيفة الأمريكية في تقريرها إلى أنه في الوقت الذي تتراجع فيه المساعدات الإنسانية من الدول الغربية، تستمر تدفقات السلاح إلى أطراف النزاع، مما يفاقم الأزمة ويطيل أمد الحرب. كما أن توجه اللاجئين إلى دول مجاورة يقلل حضور الأزمة في الإعلام الغربي ويسهم في تراجع الاهتمام بها. وترى أنه في المحصلة، تكشف الحرب في السودان عن نموذج معقد لصراعات العصر الحديث، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية، لتنتج أزمة شاملة تهدد وجود الدولة نفسها.
وبينما يتعرض المدنيون للقتل، والمدن للتدمير، يتم نهب الكنوز وتهريب الثروات، في عملية استنزاف مزدوجة تطال الإنسان والتاريخ. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن إنقاذ ما تبقى من السودان، قبل أن تتحول هذه الحرب إلى نقطة اللاعودة، التي لا تترك خلفها سوى أرض محروقة وذاكرة مفقودة؟



