تزايدت في الآونة الأخيرة الدعوات إلى تجديد الخطاب الديني، وفق رؤى أحدث أو قراءات مختلفة، مما أثار خلافات حادة بين المقدسين للتراث والمدافعين عنه، وبين الساعين إلى قراءة حديثة قد تهدم كثيرًا من المفاهيم القديمة وتعيد صياغتها. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى مجموعة من الحقائق.
أولاً: علوم القرآن أساس البناء العلمي
يقصد بعلوم القرآن، التي شكلت التراث الديني، العلوم المتعلقة به مثل علم أسباب النزول، وعلم المكي والمدني، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم القراءات للحسن البصري وغيرها. ويُعد علم التفسير أهم هذه العلوم، ومن أشهر علمائه الإمام ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هجرية، والذي يعتبر تفسيره أقدم تفسير شامل وصل إلينا كاملاً. كما قام الإمام السيوطي بتقسيم علوم القرآن إلى نحو ثمانين فرعًا، انبثق من كل منها علم مستقل، مثل علم المحكم والمتشابه، مما يؤكد أن التراث الديني لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة جهود عظيمة تراكمت عبر قرون طويلة.
ثانيًا: المواجهة الفكرية بين التجديد والحفاظ على التراث
شهد مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في يناير 2020 نقاشًا فكريًا بارزًا بين الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة آنذاك، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر. وكان جوهر الخلاف حين دعا الدكتور الخشت إلى تفكيك البنى التقليدية التي يرى أنها تسببت في حالة من الضعف، وأن الثقافة العربية المعاصرة أصبحت ثقافة تراثية تعتمد على ما ورثته أكثر مما تنتجه. وجاء رد شيخ الأزهر واضحًا، مؤكدًا أن التراث لا يمثل الضعف في ذاته، وإنما المشكلة تكمن في سوء الفهم والاجتزاء، رافضًا وصف التراث بأنه عائق أمام التطور.
رؤيتنا بين التقدير والتجديد
نرى — وهي وجهة نظرنا — أن علماء الإسلام الأوائل قدموا أعظم ما لديهم في تفسير القرآن الكريم وعلومه. فهؤلاء العلماء عاشوا سنوات طويلة يجمعون ويربطون ويعيدون القراءة، مستعينين بما توفر لديهم من وسائل محدودة مقارنة بما نملكه اليوم من تقنيات حديثة. كما أننا نتفق تمامًا مع ما قاله الإمام أبو حنيفة في الاجتهاد والرأي: (قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن مما قولنا فهو الأولي بالصواب).
لماذا نطالب بتجديد الخطاب الديني؟
أولاً: تصحيح المفاهيم الخاطئة الكارثية النتائج
- الفتنة الطائفية: والتي تتم من خلال العبث بعقول بعض الصبية والشباب من المتشددين أو أصحاب الأجندات الممولة من جهات خارجية، كأحد وسائل تقسيم الدول، فيكفر بعضهم أهل الكتب السماوية ويدفع في اتجاه العداء لهم، في حين يقول الله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَى) — البقرة: 136.
- إباحة القتل: ما نُسب إلى بعض كتب التراث من آراء تبيح القتل، والتي استخدمتها بعض الجماعات الإرهابية وطوّعتها في غير سياقها، وغُسلت بها عقول بعض الشباب، فقاموا بأعمال عنف وقتل. في حين أن قول الله تعالى واضح وصريح: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) النساء: 93، و(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) الأنعام: 151.
ثانيًا: تيسير المفاهيم الدينية
أكثر من ملياري مسلم حول العالم يواظبون على قراءة المصحف الشريف بغرض الثواب والتقرب من الله. فلماذا لا نيسر فهم ما بين دفتي المصحف بهدف تيسير التدبر أثناء القراءة كما أمرنا الله: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد: 24؟
- الأم والأب: فلنبسط لهما ليشرحوا لأطفالهم أن الله ذكر أوامر محددة في كتابه مثل أداء الأمانة (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) النساء: 85، والاستئذان (إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا) النور: 59، وغض البصر (قل للمؤمنين أن يغضوا من أبصارهم) النور: 31، والاعتدال في الإنفاق (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) الفرقان: 67، بدلاً من أو بالإضافة إلى قصص سندريلا والأميرة والأقزام السبعة وغيرها من حكايات قبل النوم، فننمي فيهم الثقافة وتعاليم الدين.
- أئمة المساجد ومسؤولية وزارة الأوقاف: فلنجدد الخطاب الديني لهم ونضع شروطًا لا بد من انطباقها واختبارات لا بد من اجتيازها لمن يعتلي منبر المسجد. فهو يخطب ويكون الغالبية من المتلقين أكثر علمًا وثقافة أو تدبرًا في أمور الدين من العديد منهم. فلنعلمهم كيف يكون الخطاب الديني: لنعلمهم شمول المصحف كتابًا وقرآنًا (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) الحجر: 1، (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) النمل: 1. وأن القرآن هو قصص الأنبياء وأولياء الله من آدم إلى محمد، وأن الكتاب هو الدستور الإلهي أو القوانين من محرمات وأوامر ونواهي وتكاليف مذكورة حصرًا، وعلى سبيل المثال للمحرمات (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم) النساء: 23-24، وللأوامر (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) النحل: 90، ولما نهي عنه (ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين) الأنعام: 141. حتى تكون خطبهم مدروسة مرتبة ولها هدف التعليم والتوعية. نعلمهم أن يبتعدوا عن التهديد والوعيد وخطب الثعبان الأقرع وخلافه، ويخطبوا في الناس بأن الله رؤوف رحيم بعباده، فحدد التكاليف في كتابه من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد وقتال، ويسر على الناس أداءها كل قدر استطاعته فقال تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) البقرة: 286. فمن لا يستطيع الصلاة قائمًا فليصل جالسًا، ومن لا يقدر على الصيام لمرض أو سفر فقد حدد له كفارته، وأسقط الزكاة عن الفقير، والحج لمن استطاع إليه سبيلاً، وحدد للجهاد أنواعًا منها جهاد النفس ضد الغرائز والجهاد السلمي والجهاد المادي كل حسب مقدرته. فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. حتى القتال وهو أثقل أنواع الجهاد على النفس (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) البقرة: 216، فلا يكون إلا للقادرين العقلاء سواء ولاء للدين أو الوطن، بل وأعطى رخصة فيه (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) الأنفال: 36.
- الإعلام: فعليه أن يضطلع بدوره ويتبنى تجديد الخطاب الديني بميثاق إعلامي ملزم قانونًا، بدلاً من ترك الساحة الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي للرأي وعكسه، وقد يكون الرأيان خطأ.
- أما عن علوم القرآن الأدق والأعمق والأثقل فهمًا: فلدينا أعرق الجامعات المصرية، لديهم أساتذة في الشريعة والفقه بجانب أساتذة الأزهر الشريف (حتى لو أدى ذلك لتصحيح بعض مفاهيم مؤسسة الأزهر ذاته). ولندعو علماء المسلمين لمجمع علمي ديني ثقيل المكانة، غزير العلم والثقافة والمعرفة، لتجديد الخطاب الديني على أسس ومناهج تكون هي المرجع للجيل الحالي، مستندين على تراث الأوائل من علوم القرآن وتحليل اجتهاداتهم وتصحيح ما جانبه الصواب فيها، مع الإقرار بصحة ما ثبتت صحته وتقدير جهودهم في كل الأحوال، ليخرج عمل يتمتع بالمصداقية والشفافية، ويمنح الثقة للمتلقي، ويكون عظيم الأثر والثواب.
كلمة أخيرة
التراث ليس إلهًا يُعبد، ولا صنمًا يُهدم، بل هو بناء عظيم يحتاج إلى تطوير حكيم يحفظ أصله ويواكب عصره.



