تقدمت مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، باقتراح برغبة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزراء الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والتنمية المحلية والبيئة، والتضامن الاجتماعي، بشأن تبني نموذج الإسكان الاجتماعي التعاوني بنظام الإيجار التمويلي لتعظيم الاستفادة من الثروة العقارية غير المستغلة وتحقيق استدامة سوق الإيجار في مصر.
تحديات قطاع الإسكان في مصر
أشارت عبد الناصر إلى أن قطاع الإسكان في مصر يواجه تحديات بنيوية ممتدة، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وتقارير وزارة الإسكان حتى عام 2025 إلى استمرار وجود فجوة سكنية تقدر بين 2.5 و3.5 مليون وحدة سكنية، إلى جانب ارتفاع الطلب على وحدات الإيجار منخفضة التكلفة كخيار رئيسي لمحدودي ومتوسطي الدخل. وفي المقابل، يوجد مخزون عقاري غير مستغل أو مغلق أو ضعيف التشغيل الاقتصادي يقدر بملايين الوحدات داخل المدن القديمة والجديدة، مما يعكس اختلالاً هيكلياً في كفاءة إدارة الموارد العقارية المتاحة.
وأوضحت أن السياسات التقليدية المعتمدة على التوسع الرأسي والأفقي في البناء الجديد لم تعد وحدها كافية لمواكبة الطلب المتنامي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنشاء وضغوط التمويل العام وتغير طبيعة الطلب السكاني، مما يفرض ضرورة تبني أدوات مبتكرة لإعادة توظيف الثروة العقارية القائمة وتحويلها من أصول غير مستغلة إلى أدوات إنتاج اجتماعي واقتصادي مستدام.
التجارب الدولية في نظام الإسكان الاجتماعي التعاوني
أشارت النائبة إلى أن التجارب الدولية الحديثة أكدت أن العديد من الدول التي واجهت أزمات سكن مشابهة لم تعتمد فقط على التوسع في البناء، بل اتجهت إلى نماذج مبتكرة للإسكان التعاوني والإيجار الاجتماعي وإدارة الأصول العقارية غير المستغلة. ففي ألمانيا، يُعد نموذج الجمعيات التعاونية السكنية أحد الأعمدة الرئيسية لسوق الإيجار، حيث تدير كيانات غير ربحية نسبة معتبرة من الوحدات السكنية وتوفر إيجارات مستقرة طويلة الأجل، مع إعادة استثمار العوائد في صيانة وتوسعة المخزون السكني، مما يحقق توازناً بين الاستدامة المالية والحماية الاجتماعية.
وفي النمسا، وبالأخص في فيينا، يتم تطبيق نموذج الإسكان الاجتماعي البلدي والتعاوني بشكل واسع، حيث تتولى الدولة والبلديات بالتعاون مع كيانات غير ربحية توفير وحدات سكنية بإيجارات مدعومة، مما جعل فيينا واحدة من أكثر المدن استقراراً في أسعار الإيجار على مستوى أوروبا، وقلل الفجوة الطبقية في الحصول على السكن. كما تقدم سنغافورة نموذجاً متطوراً من خلال هيئة الإسكان والتنمية التي تتولى تخطيط وبناء وإدارة الجزء الأكبر من الوحدات السكنية، مع دمج آليات تمويل مرنة وتمليك تدريجي، مما رفع معدلات الاستقرار السكني إلى مستويات عالمية. أما النموذج الفرنسي في الإسكان الاجتماعي فهو أحد أبرز التجارب الأوروبية، حيث يتم توفير وحدات سكنية منخفضة الإيجار من خلال هيئات عامة وتعاونية مدعومة جزئياً من الدولة، مما أسهم في استقرار سوق الإيجار داخل المدن الكبرى مثل باريس وليون.
نجاح سياسات الإسكان لا يرتبط فقط بزيادة العرض
أكدت عبد الناصر أن هذه التجارب تعكس حقيقة مهمة، وهي أن نجاح سياسات الإسكان لا يرتبط فقط بزيادة العرض، بل بوجود نماذج حوكمة مبتكرة لإدارة الأصول السكنية وإدماج البعد التعاوني والاجتماعي في السوق العقاري، بما يضمن استدامة التوازن بين العرض والطلب. وطالبت بضرورة تبني الحكومة لنموذج الإسكان الاجتماعي التعاوني بنظام الإيجار التمويلي في مصر، والذي يقوم على إنشاء كيانات تعاونية واستثمارية منظمة قانوناً، تتيح مشاركة المواطنين في الاستثمار العقاري الاجتماعي من خلال أسهم مالية منخفضة القيمة، مما يسمح بتحويل المدخرات الفردية الصغيرة إلى أداة تمويل جماعي مستدام للإسكان الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يحقق عائداً اجتماعياً يتمثل في توفير وحدات إيجارية مستقرة للفئات الأكثر احتياجاً.
وأوضحت أن هذا النموذج يقوم على إعادة توظيف جزء من المخزون العقاري غير المستغل، سواء في المدن الجديدة أو المناطق الحضرية القائمة، من خلال شرائه أو إدارته عبر هذه الكيانات التعاونية، ثم إعادة تأجيره بنظام إيجار اجتماعي منظم يخضع لضوابط استحقاق دقيقة تحدد بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي، لضمان توجيه الدعم للفئات المستهدفة بشكل عادل وفعال.
خلق آلية تمويل جديدة من خلال الاستثمار التعاوني
شددت النائبة على أن هذا النموذج يتيح خلق آلية تمويل بديلة عن التمويل الحكومي المباشر، من خلال الاعتماد على الاستثمار التعاوني، مما يخفف العبء على الموازنة العامة ويعزز كفاءة إدارة الأصول العقارية غير المستغلة. ومن الناحية الاقتصادية، يسهم النموذج في تحويل القطاع العقاري من قطاع يعتمد على التوسع الرأسمالي في البناء الجديد إلى قطاع يعتمد على تحسين كفاءة استخدام الموجود بالفعل، مما يرفع كفاءة تخصيص الموارد ويقلل الهدر في الأصول العقارية المغلقة أو غير المستغلة، ويخلق سوقاً إيجارية أكثر استقراراً وانضباطاً.
كما يعزز التصور دمج صغار المدخرين في منظومة الاستثمار العقاري، مما يحول الادخار الفردي من صورة جامدة إلى أداة إنتاج اجتماعي، ويحد من تآكل القيمة الشرائية للمدخرات في ظل التضخم، ويخلق علاقة مباشرة بين الاستثمار والعائد الاجتماعي. ويحقق النموذج بعداً اجتماعياً مهماً بتوفير وحدات سكنية مستقرة للفئات الأكثر احتياجاً دون تحميلها أعباء تملك مرتفعة، مع ضمان استمرارية الخدمة وجودتها من خلال كيانات إدارة محترفة تعتمد على الحوكمة والشفافية.
أشارت عبد الناصر إلى أن تطبيق هذا النموذج يتطلب وضع إطار تشريعي وتنظيمي متكامل يسمح بإنشاء الجمعيات الاستثمارية التعاونية في مجال الإسكان، ويحدد قواعد الرقابة المالية والإدارية عليها من خلال الهيئة العامة للرقابة المالية، إلى جانب وضع معايير واضحة لتحديد المستحقين وآليات تسعير عادلة للإيجارات وضوابط لإدارة الأصول العقارية المملوكة لهذه الكيانات. وأوضحت أنه يمكن البدء بتطبيق تجريبي في عدد من المحافظات ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو التي تعاني من فجوة في سوق الإيجار، على أن يتم تقييم التجربة خلال فترة زمنية محددة تمهيداً للتوسع التدريجي على مستوى الجمهورية.
وطالبت الحكومة باتخاذ ما يلزم نحو بحث إمكانية تطبيقه أو إعداد دراسة تنفيذية تفصيلية لذلك النظام بالتنسيق بين الوزارات والجهات المعنية، بما يسهم في تطوير سياسات الإسكان في مصر، وتعظيم الاستفادة من الثروة العقارية القائمة، وتحقيق قدر أعلى من العدالة والكفاءة والاستدامة في سوق الإسكان.



