تعاني تونس اليوم من اختبار اقتصادي عسير، مع تصاعد وتيرة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما تبعها من ارتدادات عنيفة على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة العالمية. هذه الضغوط وضعت الاقتصاد التونسي "الهش" في مواجهة مباشرة مع أعباء مالية لم تكن مدرجة ضمن حسابات العام الجاري.
برميل النفط يتحدى الموازنة
صُممت ميزانية تونس لعام 2026 بناءً على فرضية متفائلة لسعر النفط عند 63 دولارا للبرميل، إلا أن الواقع الميداني دفع بالأسعار لتتجاوز حاجز 110 دولارات. هذا الفارق الشاسع يمثل استنزافا حادا لمالية الدولة، لا سيما وأن البلاد تعتمد على الخارج لتأمين نحو 65% من احتياجاتها الطاقية.
وانعكس هذا الارتفاع مباشرة على الميزان التجاري، حيث سجل العجز التجاري نحو 2.9 مليار دينار (مليار دولار) خلال الربع الأول من العام، مدفوعا بزيادة كلفة الواردات وتكاليف الشحن والتأمين التي تضاعفت جراء مخاطر الملاحة في المنطقة.
عجز متفاقم وضغوط على العملة الصعبة
تشير البيانات المالية إلى اتساع فجوة العجز في الميزانية، ومن المتوقع أن تصل إلى 11 مليار دينار، نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام، مقارنة بـ 9.6 مليار دينار العام الماضي. ولا تتوقف التداعيات عند حدود الموازنة، بل تمتد لتشمل الاستثمار الأجنبي، عبر التخوفات من تراجع الجاذبية الاستثمارية رغم النمو القوي المحقق في 2025 بنسبة 30.3%، وتحويلات المغتربين، عبر توقعات بتأثرها نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة في دول الإقامة في أوروبا والخليج، ناهيك عن مخاوف من تراجع احتياطيات النقد الأجنبي وضعف قيمة الدينار نتيجة ركود الأسواق الشريكة خاصة الاتحاد الأوروبي.
معضلة الدعم والاستقرار الاجتماعي
رغم القفزة العالمية في الأسعار، حافظت الحكومة التونسية على استقرار أسعار الوقود محليا، بنحو 2.5 دينار للتر البنزين، وهي خطوة تهدف لامتصاص الغضب الاجتماعي لكنها ترفع كلفة دعم الطاقة إلى نحو 5 مليارات دينار.
وفي ظل رفض الرئيس قيس سعيد لشروط صندوق النقد الدولي، تعول السلطات على بدائل داخلية وخارجية محدودة، تشمل الاقتراض من البنك المركزي بنحو 4 مليارات دولار، واستحداث ضريبة جديدة على الثروة، بالإضافة إلى الاستفادة من تمويلات البنك الدولي الأخيرة بقيمة 472 مليون دولار الموجهة للحماية الاجتماعية والمياه والزراعة.
أكد خبراء اقتصاديون، من بينهم وزير التجارة الأسبق محمد مسليني والخبير رضا شكندالي، أن الفرضيات التي بنيت عليها الموازنة الحالية سقطت واقعيا، ويبرز التوجه نحو إعداد قانون مالية تكميلي كضرورة قصوى للتعامل مع ثلاثة سيناريوهات محتملة، تتمثل في توقف الحرب، استمرارها، أو توسعها.
ومع تخفيض صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو إلى 2.1% لعام 2026، وارتفاع مرتقب في معدلات التضخم يتوقع أن يتجاوز 6.5%، تبقى القدرة الشرائية للمواطن التونسي هي الحلقة الأضعف في هذه الأزمة المتصاعدة.



