حتى فترة قريبة، لم يكن الصحفي يهتم بتغطية الجنازات وسرادقات العزاء، ولم تكن المؤسسات الصحفية توفد مندوبًا أو مصورًا لمتابعة مراسم الدفن والعزاء لأي شخص، إلا إذا كان الراحل من الشخصيات المهمة وذات الجماهيرية الكبرى. ولعل أبرز دليل على ذلك أن الأرشيف الصحفي لا يحوي إلا صورًا من جنازات العظماء، مثل جمال عبدالناصر في السياسة، وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ في الفن. وحتى هؤلاء العظماء، لن تجد في الأرشيف صورًا أو تغطيات صحفية لجنازات أقاربهم، رغم أن المنطق يقول إنه في يوم ما لابد أن أحد أقاربهم قد توفي بينما هم ما زالوا على قيد الحياة.
تطور المشهد الإعلامي
جرت في النهر مياه كثيرة، وظهرت شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، التي فتحت الباب للباحثين عن فرصة عمل أو شهرة أو رزق، فاختلط الحابل بالنابل، وصار كل من يحمل كاميرا يعتبر نفسه صحفيًا. ثم تطورت الدنيا أكثر بظهور الهواتف الذكية، فلم يعد أحد مضطرًا لشراء كاميرا.
حادثة أمير عيد
أقول كل هذا لأنني تابعت ما حدث في عزاء والد طليقة الفنان أمير عيد. ربما كنت سأتفهم موقف من ذهبوا لتصوير مراسم العزاء لو كانت ابنته ما زالت زوجة للفنان المعروف، لكنها طليقته! دخل الفنان مكان العزاء، ونظر حوله فوجد مجموعة من الشباب يرفعون هواتفهم ليصوروه، فما كان منه إلا أن أشار لهم بإشارة بذيئة معروفة، والتقطت كاميراتهم الحدث. لا أعرف الدافع وراء هذا التصرف الوقح، الذي يظل وقحًا حتى لو كان وراءه دافع قوي.
بيان نقابة الصحفيين
تزامن ذلك مع اجتماع لمجلس نقابة الصحفيين برئاسة خالد البلشي، أصدر بيانًا تضمن مجموعة من الأكواد التي تستهدف الحفاظ على المهنة وتعتبر مكملة لميثاق الشرف الصحفي. تضمن البيان بندًا خاصًا بقواعد وأخلاقيات تصوير وتغطية الجنازات، من بينها قصر التغطية على الشخصيات العامة، ومراعاة الخصوصية ومشاعر أهل المتوفي، واقترح زوايا معينة للتصوير واستخدام عدسات طويلة البعد البؤري، ومنع صور السيلفي في الجنازات.
نقد البيان
مع الاحترام الكامل لبيان مجلس النقابة، إلا أنه يشبه الإرشادات التي كانت وزارة التعليم تطبعها على الكراسات، مثل "حافظ على نظافة فصلك". لا أقصد التقليل من شأن البيان، لكن الأمر يحتاج تدخلًا قويًا وفعالًا، خاصة أن البيان قد يعطي انطباعًا خاطئًا بأن هؤلاء الشباب الذين يرفعون هواتفهم هم صحفيون، بينما هم في الحقيقة يديرون صفحات على مواقع التواصل ويرغبون في زيادة المشاهدات.
حل مقترح
ما أعنيه بالتدخل القوي الفاعل هو إجراء يبرئ النسبة الأكبر من الصحفيين من هذه الممارسات، ويقدم حلاً يغلق الباب على الأدعياء. أذكر اقتراحًا لأحد الكتاب أو أعضاء مجلس النقابة السابقين، يقترح أن تمتنع الصحف والمؤسسات عن إرسال مندوبين لتغطية الجنازات، على أن توفد نقابة الصحفيين واحدًا من أعضائها للتصوير، وتتاح الصور في النقابة لأي صحيفة تطلبها. أعتقد أن هذا الحل سيكون كفيلاً بوضع حد لهذه المهزلة، وهو أقوى كثيرًا من الإرشادات التي يسميها مجلس النقابة "أكوادًا مهنية". وإن لم نفعل ذلك، فسيظل أمير عيد وغيره يصدرون إشاراتهم البذيئة، ليس في وجه مجموعة من الشباب الأرزقي، ولكن في وجوهنا جميعًا!



