يتساءل كثير من الحجاج والمعتمرين عن المواقيت الشرعية للحج والعمرة، والأماكن التي حددها الشرع للإحرام قبل التوجه إلى الأراضي المقدسة، خاصة مع اقتراب مواسم الحج وزيادة أعداد الراغبين في أداء المناسك. وقد وضع الإسلام مواقيت محددة للإحرام، التزامًا بما ورد عن النبي محمد ﷺ، حتى يؤدي المسلم نسكه وفق الضوابط الشرعية الصحيحة، سواء للحج أو العمرة.
تعريف الحج وشروطه وفضله
الحج في لغة العرب هو القصد، وفي اصطلاح الشرع هو: قصدُ مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف وسائر المناسك في أشهر الحج؛ استجابةً لأمر الله تعالى، وابتغاءً لمرضاته. وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو من الفروض المعلومة من الدين بالضرورة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَیۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَیۡهِ سَبِیلࣰاۚ﴾ [آل عمران: 97].
وقد ورد في السنة النبوية بيان فضله العظيم في كثير من الأحاديث، ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [صحيح البخاري: (1521)]. والرَّفَثُ: اسْمٌ لِلْفُحْشِ مِنَ الْقَوْلِ، وَقِيلَ هُوَ الْجِمَاعُ [شرح النووي على صحيح مسلم: 9/119]. وشروط وجوب الحج: الإسلام والبلوغ، والعقل، والاستطاعة فمن توفر فيه هذه الشروط وجب عليه الحج.
المواقيت الشرعية للحج والعمرة
مواقيت المكان فهي أربعة مواقيت منقسمة على جهات الحرم: قالت دار الإفتاء المصرية في فتوى سابقة لها: إن ميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وأهل نجد من قرن المنازل، وأهل اليمن يلملم، وأهل العراق وخراسان والمشرق ذات عرق، والأصل فيه ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشأم من الجحفة، وأهل نجد من قرن، قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل أهل اليمن من يلملم» [البخاري (1525)]، وقيل: إنه من توقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ومن مر على هذه المواقيت يريد الإحرام أو دخول مكة لزمه الإحرام منها، كان من أهلها أو من غير أهلها، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «هن لهم ولكل آت آتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة» [القاضي عبد الوهاب البغدادي، المعونة على مذهب عالم المدينة (1/509-510)، وانظر: المغني لابن قدامة بنحوه (5/56)]. وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات، وميقات أهل الشام ومصر وأهل المغرب الجحفة، فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة، وميقات أهل العراق ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة؛ إذ لا يتعداه إلى ميقات له. [الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، ص181].
ميقات العمرة
العمرة: هو الميقات المكاني للحج بالنسبة للآفاقي والميقاتي، وميقات من كان بمكة من أهلها أو غير أهلها الحل من أي مكان، ولو كان بعد الحرم ولو بخطوة، واختلفوا في الأفضل منهما، فذهب الجمهور إلى أنه من الجعرانة أفضل، وذهب الحنفية إلى أنه من التنعيم أفضل، وقال أكثر المالكية هما متساويان. والأصل في ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «يا رسول الله، أتنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحجة؟ قال: ثم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن ينطلق معها إلى التنعيم، فاعتمرت عمرة في ذي الحجة بعد أيام الحج» [البخاري (7230)]. ومن جهة النظر أن من شأن الإحرام أن تكون هنا رحلة بين الحل والحرم، ولما كانت أركان العمرة كلها في الحرم، كان لا بد أن يكون الإحرام في الحل، ولا يعلم في ذلك خلاف بين العلماء. [الموسوعة الفقهية الكويتية (2/151)].
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته، كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحج. وخالفهم آخرون فقالوا: ميقات العمرة الحل، وإنما أمر عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه كان أقرب الحل إلى مكة. [الزرقاني، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية (11/484)].
المواقيت الشرعية الخمسة
والمواقيت الشرعية خمسة:
- ذو الحليفة: وهو ميقات من توجه من المدينة، وهو على نحو عشر مراحل من مكة.
- الجحفة: ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب.
- يلملم: وقيل: ألملم، ميقات المتوجهين من اليمن.
- قرن: وهو ميقات المتوجهين من نجد اليمن ونجد الحجاز.
- ذات عرق: ميقات المتوجهين من العراق وخراسان، والمراد بقولنا: يلملم ميقات اليمن، أي: ميقات تهامه، فإن اليمن يشمل نجدا وتهامة.
والأربعة الأولى نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف، وفي ذات عرق وجهان: أحدهما: وإليه مال الأكثرون: أنه منصوص كالأربعة، والثاني: أنه باجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والأفضل في حق أهل العراق: أن يحرموا من العقيق، وهو واد وراء ذات عرق مما يلي المشرق. [النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين (3/38-39)].



