لم يكن أحد ليتخيل المآلات التي آلت إليها الأمور، حيث أدت حرب غزة ثم إيران إلى تداعيات مذهلة لم تقتصر على انتصار طرف على آخر، بل تجاوزت ذلك لتشكل تهديداً وجودياً لبعض القوى في الإقليم والعالم، مما قد يعصف بأحلام البقاء في المستقبل القريب أو البعيد. لا أقصد طرفاً من أطراف الحربين بالضرورة، بل إن أطرافاً بعيدة نالها ما نالها من شرارة الحرب الحارقة التي التهمت أطراف أثوابهم أو زحزحتهم نحو حافة هاوية مهلكة.
أمريكا كما نعرفها لن تعود
لن تعود أمريكا التي نعرفها كما كانت سابقاً. الأرَضة التي ما فتئت تأكل منسأة أمريكا منذ عقود، وهي أرضة الديون التي بلغت أربعين تريليون دولار، وتغلغل النفوذ اليهودي من خلال منظومات فساد طالت أجهزة الحكومة والعدالة والبنوك حتى وصلت إلى البنتاجون ذاته، ناهيك عن المشكلات الداخلية المزمنة: العصابات، وانتشار السلاح، وتدفق المهاجرين، وتفاقم التضخم وارتفاع الأسعار وغيرها من معضلات قديمة. لم تعد تلك الأرَضة هي الوحيدة التي تلتهم العصا الأمريكية وتهددها بالسقوط والتداعي. الآن، وبعد حرب إيران، انفجرت أسعار النفط في سائر الولايات بأكثر من 40% لتصل في المتوسط لنحو 4 دولارات للجالون الواحد، وارتفعت تكلفة أيام الحرب الأربعين إلى ما يزيد عن 50 مليار دولار، بخلاف الخسائر اللوجستية. وهو ما أدى لارتباك عظيم في أسواق المال والسياسات النقدية، إذ بات الاحتياطي الفيدرالي مجبراً على إبقاء الفائدة على الدولار مرتفعة، مما يضغط أكثر على سوق العمل ويبطئ الاستثمار.
وبسبب تلك الأوضاع الاقتصادية المتردية، انخفضت شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومن خلفه الحزب الجمهوري إلى أدنى المستويات، وبات الانقسام السياسي يهدد ليس فقط الحياة السياسية والشعب الأمريكي، بل الحزب الجمهوري نفسه وكتلة "ماجا" الداعية لأمريكا قوية موحدة، فإذا بها نفسها مهددة بالانقسام والتشرذم. عسكرياً وسياسياً، فقدت أمريكا في أربعين يوماً فقط عدداً من أوراق لعبها القوية: حلفاءها الأوروبيين، وثقة حلفائها الخليجيين، وتأييد الداخل الأمريكي، كما فقدت نحو نصف مخزونها الاستراتيجي من الذخائر والعتاد العسكري بما لا يمكن تعويضه قبل سنوات قادمة. يحدث هذا كله في الوقت الذي تتربص فيه قوى المعسكر الشرقي، روسيا والصين وكوريا الشمالية، في انتظار لحظة السقوط المدوية. تلك اللحظة التي عكفت الأرَضة على تحقيقها وأكدتها الحرب.
تآكل التكتلات والكيانات
تحالفات كثيرة ومنظمات دولية مهددة غداً أو بعد غد بالتآكل والأفول والانقراض. على رأسها حلف الناتو، الذي بدأ في التداعي على مدى السنوات الأربعة للحرب الأوكرانية، ثم جاء ترامب ليضرب إسفيناً عملاقاً بين أمريكا وبين أكبر حلفائها الأوروبيين. ولن يلبث حلف الناتو أن يموت إكلينيكياً خلال شهور أو سنوات قليلة في أعقاب حرب إيران. الأدهى أن المنظمات العالمية ذاتها، كمجلس الأمن والأمم المتحدة، باتت بلا نفوذ سياسي، لاسيما وقد اهتزت ثقة العالم في حياد تلك المنظمات وفاعليتها. ولذلك صار السعي حثيثاً والبحث دؤوباً لاستبدال تلك المنظومة العالمية القديمة المتهالكة بمنظومة أكثر إنصافاً ونفوذاً وفاعلية، وهو ما يهدد تلك الكيانات القائمة بالأفول تدريجياً. غير أن أهم تصدع هو ما سيحدث للكيان الذي تموضع في منطقتنا يبغي تفكيكها وإضعافها وتمزيقها تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد"، والجديد الوحيد الذي تنتظره المنطقة هو اختفاء هذا الكيان يوماً ما. والمؤشرات كلها تؤكد قرب هذا اليوم.
اختفاء مفاهيم ومصطلحات
المعضلة تتمثل في تشبث البعض بتلك الجدران التي توشك على الانهيار، فماذا ينتظر أمثال هؤلاء إلا أن تنهار الجدران فوق رؤوسهم حين يُكتب لها أن تنهار؟ لا يصدق كثيرون أننا على مشارف منعطف تاريخي مماثل لما حدث بعد الحرب العالمية الثانية. ولأنهم لم يستعدوا لتغيرات هائلة بحجم العالم، فإنهم يعيشون حالة من الإنكار والتسويف. هؤلاء سيواجهون مخاطر الاختيارات الخاطئة بعد أن يفوت الأوان. إن خطر تفكك المنظمات الدولية والإقليمية، وغياب الضمانات لوجود مظلة أمنية واقتصادية للدول التي ستعاني من مخاطر هذا التفكك، سيكون مصحوباً بانهيارات كبرى. وبالتزامن مع تلك الانهيارات السريعة، سوف تأفل مصطلحات ظلت لأزمان طويلة تحكم سير الأحداث في العالم كله، مصطلحات مثل: البترودولار، الماسونية، الصهيونية، القطب الأوحد، الأوبك، النظام الدولي. بل إن البعض يصل في مخاوفه إلى أن نظماً اقتصادية بأكملها قد تختفي، مثل العملات الورقية، ونظام السويفت، وربما الرأسمالية ذاتها قد تنهار، ويصبح لليمين واليسار مدلولات جديدة خلاف ما اعتدناه.
التفكك العربي
ربما يكون أخوف ما نخافه نحن العرب هو ما يحدث الآن في الخليج من تداعيات الحرب الإيرانية. وهي تداعيات تتفاوت من دولة لأخرى، ولعل أشد دول الخليج تضرراً هي تلك الدول المواجهة لإيران على الضفة الأخرى من بحر العرب باستثناء عمان التي كانت الأقل تضرراً لاتخاذها نهج الحياد الإيجابي، لاعبة دور الوسيط الموثوق قبيل اندلاع الحرب. ورغم قوة تأثيرات الحرب وشدتها على الخليج، فإن أشد ما يمكن أن ينال من قوى الخليج ويضعفها مستقبلاً هو ما نراه الآن من إرهاصات تفكك هذه القوى إلى تكتلات لا تقوم بينها وحدة رأي أو قرار. صحيح أن الخليج تعرض لهزة عنيفة في تجارة النفط بسبب ضرب بعض منشآت البنية التحتية النفطية وتضررها، ثم بسبب إغلاق مضيق هرمز وتعطل آليات التصدير. وصحيح أن التقارير تشير إلى تعرض الخليج لأكبر انكماش اقتصادي منذ كورونا، حيث وصل الانكماش في قطر والكويت والبحرين لمعدلات تراوحت بين 3% و6%، وبهذا تضاءلت فرص تحقيق مشاريع رؤية 2030 الواعدة لدرجة كبيرة.
لقد كشفت الحرب مدى هشاشة استراتيجية التنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط لدى بعض بلدان الخليج، حيث تضررت السياحة وهربت الاستثمارات الأجنبية وتعطلت سلاسل الإمداد، ما اضطرها للعودة للاعتماد الأحادي على النفط المتضرر أصلاً، وهو ما أدى سريعاً لحدوث أزمة سيولة وارتفاع للأسعار وزيادة تكاليف المعيشة، وهو ما ينذر بتهديدات وجودية إذا ما استمر الصراع لفترات أطول. غير أن الأثر الجيوسياسي الأخطر هنا هو حالة التفكك التي قد تؤدي مستقبلاً لمزيد من الضعف والإخفاق. بدأ الأمر بخلافات في مواقف دول الخليج من التصعيد ضد إيران، وهو ما أدى لحرب إعلامية وتراشقات كلامية على مواقع التواصل الاجتماعي. ثم انتهى الأمر بقرار إماراتي بالخروج من منظمة الأوبك، في خطوة أحادية خطيرة. هكذا باتت الصورة المقلقة كاشفة عن توجهات بانقسام القرار الخليجي بين فريقين أو ثلاثة: فريق أقوى تقوده المملكة العربية السعودية بحكمة وهدوء، وفريق أضعف وأقل حكمة يتخذ قرارات أحادية قد تهدد وحدة الخليج وأمنها، وهو الفريق المطالب بإعادة النظر في استراتيجياته الهشة.
أسئلة وجودية تبحث عن إجابة
إنها أسئلة حتمية عاجلة، وإن لم نبحث عن إجاباتها سنظل عالقين على الشط، منتظرين أن ترأف بنا الأقدار إذا ما أعتمت الأجواء. حرب إيران باتت بمثابة لحظة انكشاف تاريخي تعري هشاشة البنى السياسية التي طالما بدت راسخة. من غزة إلى الخليج، ومن ارتدادات المواجهة مع إيران إلى ارتباك واشنطن، تتشكل ملامح عالم يفقد اتزانه المعهود، دون أن يعثر بعد على بديل مستقر، في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على السيطرة، لا أقول على العالم، بل على الشارع الأمريكي المنقسم. وهذا حلف الناتو يترنح بين خيارات أحلاها كالحنظل، فيما تتآكل هيبة المنظومة الدولية التي عجزت عن منع الحروب أو حتى احتواءها. وفي العمق، تتعقد أزمة الطاقة وتطال استقرار البترودولار مع تصدعات الثقة ومسارات الالتفاف عليه. أما الخليج، الذي كان نموذجاً للتماسك والرفاهية، يبدو اليوم أكثر عرضة للأزمات، إلا إذا أفلح في الحفاظ على تماسكه ووحدته، أو بناء تحالفات عسكرية وسياسية جديدة تقوي شوكته.
إننا أمام عالم يتجه نحو إعادة كتابة قواعده تحت ضغط الأزمات، حيث لم يعد اليقين ممكناً، ولا الاستقرار مضموناً. وبين نظام دولي يحتضر وآخر لم يولد بعد، تتسع منطقة الظل، وتغدو السياسة فن إدارة القلق أكثر منها فن صناعة المستقبل.



