يُعد تنظيم الولاية على المال في مشروع قانون الأسرة الجديد إحدى أهم ركائز منظومة الأحوال الشخصية، باعتباره الإطار القانوني الذي يضمن حماية أموال القُصّر وناقصي الأهلية والمحجور عليهم، ويضع ضوابط دقيقة لإدارة تلك الأموال، بما يحقق التوازن بين سلطة الولي أو الوصي أو القيم من جهة، ورقابة القضاء من جهة أخرى، في ضوء مبدأ أساسي هو حماية «المصلحة الفُضلى» لمن لا يستطيعون إدارة أموالهم بأنفسهم.
تقسيم أحكام الولاية على المال
وفي إطار التنظيم الهيكلي، أعاد المشروع تقسيم أحكام الولاية على المال إلى أربعة أبواب رئيسية شملت: الولاية، والوصاية، والحجر والمساعدة القضائية والغيبة، ثم الأحكام العامة المشتركة، بما يعكس توجه المشرّع نحو التبويب المنطقي القائم على طبيعة كل نظام قانوني ووظيفته.
تعريف الولاية على المال
ويُعرّف القانون الولاية على المال باعتبارها سلطة قانونية على أموال القاصر، تثبت للأب كأصل عام، وتنتقل للأم أو غيرها في حالات يحددها القانون، مع اشتراط توافر شروط الأهلية والكفاءة وحسن التدبير، غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تخضع لرقابة قضائية صارمة، حيث لا يجوز للولي مباشرة بعض التصرفات إلا بإذن المحكمة، خاصة التصرفات التي تمس أصول المال أو تنطوي على مخاطر مالية كبيرة.
القيود القانونية على الولي
وتشمل القيود القانونية على الولي عدم جواز التبرع من مال القاصر إلا في حدود ضيقة ولضرورة إنسانية أو عائلية وبإذن قضائي، وكذلك حظر التصرف في العقارات أو الأموال الكبيرة أو رهن أموال القاصر دون إذن المحكمة، إلى جانب إخضاع الاستثمارات المالية والاقتراض والتصرف في الحقوق المالية لرقابة قضائية مسبقة.
نظام الوصاية
وفيما يتعلق بالوصاية، نظم القانون تعيين الوصي في الحالات التي لا يوجد فيها ولي أو يفقد صلاحيته، مع وضع شروط دقيقة تتعلق بالعدالة والكفاءة وحسن السيرة، وإخضاع تعيينه واعتماد اختياره لرقابة المحكمة، كما أجاز القانون للأب اختيار وصي لولده، على أن يخضع هذا الاختيار لتقدير القضاء من حيث المصلحة.
وتخضع أعمال الوصي لرقابة مشددة، حيث يلتزم بإدارة أموال القاصر بعناية الوكيل المأجور، وتقديم حساب دوري عن الإدارة، والحصول على إذن المحكمة في عدد من التصرفات الجوهرية مثل البيع، أو الاستثمار، أو الاقتراض، أو القسمة، أو التصالح، بما يضمن عدم المساس بأصل المال إلا وفق ضوابط قانونية صارمة.
إعداد قائمة بأموال القاصر
كما ألزم مشروع القانون الولي بإعداد قائمة تفصيلية بأموال القاصر وإيداعها بالمحكمة خلال مدة محددة، مع إتاحة الرقابة القضائية المستمرة على جميع التصرفات المالية، بما يضمن عدم التلاعب أو الإخفاء، وفي حال سوء الإدارة أو الإضرار بمصلحة القاصر، يحق للمحكمة سلب الولاية أو الحد منها أو وقفها، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام الرقابة على هذا الملف الحساس.
ويؤكد مشروع القانون كذلك أن الولاية والوصاية ليستا سلطة مطلقة، بل مسئولية قانونية تخضع للرقابة القضائية، حيث لا يجوز للولي التبرع من مال القاصر إلا في حالات إنسانية وبإذن المحكمة، كما لا يجوز له الاقتراض أو الإقراض أو تأجير أموال القاصر لفترات طويلة إلا بموافقة قضائية مسبقة، بما يمنع أي استغلال محتمل.
تقديم حساب عند بلوغ القاصر سن الرشد
وفي سياق متصل، شدد القانون على ضرورة تقديم حساب دقيق عن أموال القاصر عند بلوغه سن الرشد، مع إلزام الولي أو ورثته برد الأموال خلال مدة محددة، في إطار حماية حقوق القاصر وضمان انتقال أمواله إليه دون أي نقص أو تعدٍ.
نظام الحجر والمساعدة القضائية
أما نظام الحجر، فقد أبقى القانون على أسبابه التقليدية دون تغيير جوهري، والمتمثلة في الاضطراب النفسي أو العقلي أو السفه أو الغفلة، على أن لا يتم الحجر إلا بحكم قضائي، مع تعيين من يتولى إدارة أموال المحجور عليه وفق ضوابط محددة، وإخضاع تصرفاته لرقابة القضاء.
وفي السياق ذاته، استحدث القانون نظام المساعدة القضائية للأشخاص الذين لا يبلغون درجة الحجر لكنهم يعانون من ضعف يؤثر على قدرتهم في التعبير عن إرادتهم، مثل ضعف البصر أو السمع أو الإدراك، حيث يتم تعيين مساعد قضائي يشترك مع الشخص في التصرفات القانونية دون أن ينفرد بها، بما يحقق التوازن بين الحماية وعدم المصادرة الكاملة للإرادة.
الدور المحوري للقضاء
وأكد التشريع على الدور المحوري للقضاء في إدارة هذه المنظومة، حيث منح المحكمة سلطات واسعة تشمل التعيين والعزل والرقابة والإذن في التصرفات المالية، مع إمكانية اتخاذ إجراءات تحفظية عاجلة لحماية أموال القاصر أو المحجور عليه أو الغائب.
تصريحات برلمانية
من جانبه، أكد النائب محمد أبوهميلة، رئيس لجنة الشئون العربية بمجلس النواب، وأمين عام حزب الشعب الجمهوري، أن مشروع قانون الأسرة الجديد يمثل نقلة نوعية في حماية حقوق القصر، مشيراً إلى أن المشروع لا يهدف فقط إلى فرض العقوبات، بل إلى بناء منظومة متكاملة لضبط العلاقات الأسرية، من خلال تنظيم عمل الأوصياء وأصحاب الولاية تحت رقابة قانونية صارمة تضمن إدارة أموال القصر بما يحقق مصلحتهم، ويحمي مستقبلهم من أي استغلال أو إهمال.
وأكد أن إعداد قانون الأسرة الجديد لم يعد خياراً تشريعياً، بل ضرورة ملحة لضمان استقرار المجتمع المصري، مشدداً على أهمية التعامل مع هذا الملف بموضوعية وتجرد بعيداً عن أي انحيازات، بما يحقق العدالة ويحافظ على تماسك الأسرة باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع.



