أثارت استغاثات ومنشورات متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية جدلا واسعا حول وجود أجنبيات يعملن داخل بعض الفنادق وشركات السياحة في شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم دون تصاريح عمل رسمية. وتصاعدت المطالب بضرورة فتح تحقيق عاجل في الواقعة، خاصة مع الحديث عن تشغيل فتيات صغيرات السن بتأشيرات سياحية عادية بعيدا عن الإطار القانوني المنظم للعمل داخل القطاع السياحي.
خبراء يحذرون من خطورة الظاهرة على سمعة السياحة المصرية
أكد محمد كارم، الخبير السياحي وعضو الأمانة العامة لحزب الحركة الوطنية وأمين السياحة بالجمهورية، في تصريحات خاصة، أن ظاهرة عمل الأجانب في مجال الإرشاد السياحي داخل مصر بشكل غير قانوني أصبحت من الملفات التي تحتاج إلى تدخل عاجل وحاسم. وأوضح أن هذه الأزمة ظهرت بشكل أكبر بعد ثورة يناير، وتسببت في العديد من التجاوزات التي تؤثر بشكل مباشر على صورة القطاع السياحي المصري.
نقل معلومات مغلوطة عن الحضارة المصرية
قال كارم إن المشكلة لا تتعلق فقط بمخالفة القوانين المنظمة للمهنة، وإنما تمتد إلى خطورة نقل معلومات مغلوطة عن التاريخ والحضارة المصرية للسائحين. وأكد أن بعض الأجانب الذين يمارسون الإرشاد السياحي لا يمتلكون المعرفة الكافية بتاريخ مصر أو طبيعة المجتمع المصري، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تقديم صورة غير دقيقة عن المقصد السياحي المصري.
وأضاف أن بعض أصحاب الشركات السياحية أو الفنادق ينظرون إلى الأمر من زاوية اقتصادية فقط، دون الانتباه إلى حجم الضرر الناتج عن الاستعانة بأشخاص غير مؤهلين أو غير مصرح لهم بالعمل في الإرشاد السياحي. وأشار إلى أن المرشد المصري يمتلك معرفة كبيرة بالتاريخ والثقافة المصرية وقادر على الرد على أي استفسارات تتعلق بالحضارة المصرية بشكل احترافي.
خطر على صورة الدولة السياحية
أوضح كارم أن الأزمة الحقيقية تكمن في أن الجهات المسؤولة أحيانا لا تكون على دراية بما يقوله هؤلاء الأجانب للسائحين عن مصر، متسائلا: "هل نعرف بالفعل ماذا يُقال للسائح عن تاريخنا أو حضارتنا أو مجتمعنا؟"، مؤكدا أن هذه النقطة تمثل خطرا كبيرا على صورة الدولة السياحية.
وشدد على ضرورة وجود تحرك سريع من الجهات الرقابية لتنظيم القطاع بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، خاصة أن السياحة تُعد من القطاعات الاستراتيجية المهمة للاقتصاد المصري، ولا بد أن تُدار باحترافية شديدة تضمن الحفاظ على صورة مصر أمام العالم.
وأشار إلى أن السماح لأي شخص أجنبي بممارسة الإرشاد السياحي أو الحديث باسم السياحة المصرية دون ضوابط قانونية يمثل أمرا غير مقبول، لأنه يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية تؤثر على سمعة المقصد السياحي المصري وتضر بالعاملين المصريين داخل القطاع.
وأكد كارم أن مصر تمتلك كوادر سياحية مؤهلة على أعلى مستوى، سواء في الإرشاد السياحي أو إدارة الفنادق أو تنظيم الرحلات، موضحا أن العامل المصري لديه القدرة الكاملة على التعامل مع مختلف الجنسيات بكفاءة وخبرة كبيرة.
إرشاد سياحي دون رقابة حقيقية
أضاف أن بعض الشركات تلجأ للاستعانة بأجانب من نفس جنسية السائحين بهدف منحهم شعورا بالطمأنينة، كأن يتم الاستعانة بشخص بولندي للتعامل مع الوفود البولندية، موضحا أن هذا الأمر قد يتحول إلى باب خلفي لممارسة الإرشاد السياحي دون رقابة حقيقية.
وأشار إلى أن بعض هذه الحالات تتم عبر استخراج تصاريح عمل بسيطة وبتكلفة منخفضة، ثم يتم تشغيل هؤلاء الأجانب بأجور أقل من العامل المصري، وهو ما يضر بسوق العمل السياحي المحلي، فضلا عن خطورته على جودة المحتوى والمعلومات المقدمة للسائح.
وقال كارم إن توفير مبالغ مالية بسيطة لا يمكن أن يكون مبررا للمخاطرة بسمعة السياحة المصرية أو السماح بتداول معلومات غير دقيقة عن مصر، مؤكدا أن الحفاظ على صورة الدولة أهم بكثير من أي اعتبارات مادية مؤقتة.
كما حذر من بعض المجموعات الأجنبية التي تدخل مصر برفقة أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم جزءا من الوفد أو "كرو" مرافقا، بينما يقومون فعليا بدور المرشد السياحي بشكل غير قانوني، موضحا أن كثيرا من السائحين قد لا يدركون أن الشخص الذي يتحدث إليهم ليس مرشدا معتمدا.
وأوضح أن هؤلاء قد يقدمون معلومات خاطئة أو غير دقيقة عن التاريخ المصري والحضارة المصرية دون أي رقابة، وهو ما يتطلب تشديد الإجراءات الرقابية ومتابعة هذه الممارسات بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة.
واختتم محمد كارم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة اتخاذ "وقفة حاسمة" تجاه هذا الملف، حفاظا على مكانة مصر السياحية، ودعما للمرشدين السياحيين المصريين المؤهلين، مشددا على أن تنظيم القطاع بشكل احترافي أصبح ضرورة ملحة للحفاظ على صورة مصر أمام السائحين من مختلف دول العالم.
محمد عثمان: ملف العمالة الأجنبية يحتاج إلى مواجهة حاسمة
أكد محمد عثمان، رئيس لجنة تسويق السياحة الثقافية ونائب رئيس غرفة شركات السياحة بالصعيد، أن ملف العمالة الأجنبية غير المنظمة داخل بعض الفنادق والمنشآت السياحية أصبح يحتاج إلى مواجهة حاسمة، خاصة مع تزايد الشكاوى من اعتماد بعض الشركات على تشغيل أجانب بشكل غير قانوني بهدف تقليل التكاليف على حساب العامل المصري.
وقال عثمان إن بعض المنشآت أصبحت تفضل الاستعانة بعمالة أجنبية برواتب أقل وبدون التزامات واضحة، وهو ما يخلق حالة من عدم التوازن داخل سوق العمل السياحي، موضحا أن المتضرر الأول من هذه الممارسات هو العامل المصري المؤهل الذي يجد فرصه تتراجع رغم امتلاكه الخبرة والكفاءة.
سوق العمل يحتاج إلى قواعد واضحة
أضاف أن استمرار هذه الظاهرة يؤثر بشكل مباشر على استقرار القطاع السياحي، لأن أي سوق عمل لا يعتمد على قواعد واضحة ورقابة حقيقية يتحول تدريجيا إلى بيئة غير منظمة تضر بالجميع، سواء الدولة أو العاملين أو حتى المستثمرين الجادين.
وأشار عثمان إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بوجود أجانب داخل القطاع، وإنما بطريقة التشغيل نفسها، لافتا إلى أن بعض العاملين الأجانب يدخلون البلاد بصفات مختلفة ثم يمارسون أعمالا داخل الفنادق أو شركات السياحة دون وجود تنظيم حقيقي أو متابعة دقيقة.
وأوضح أن بعض هؤلاء يعملون في مجالات مرتبطة بشكل مباشر بالسائح، مثل فرق الترفيه والأنيميشن أو مرافقة الوفود السياحية أو تقديم معلومات عن المقاصد السياحية المصرية، رغم عدم امتلاكهم التأهيل الكافي أو الخبرة المطلوبة للتعامل مع هذا الملف الحساس.
نقل صورة غير دقيقة عن مصر للسائحين
حذر محمد عثمان من أن غياب الرقابة الكاملة على هذه الأنشطة قد يؤدي إلى نقل صورة غير دقيقة عن مصر للسائحين، مؤكدا أن السائح عندما يزور مصر فهو لا يبحث فقط عن الخدمة، وإنما عن تجربة متكاملة تعكس حضارة البلد وثقافتها وهويتها الحقيقية.
وأضاف أن القطاع السياحي المصري يمتلك كوادر بشرية قادرة على العمل بكفاءة عالية في مختلف المجالات، سواء الإرشاد أو الضيافة أو تنظيم الرحلات أو الأنشطة الترفيهية، وبالتالي لا يوجد مبرر لتهميش العمالة الوطنية لصالح تشغيل غير منظم.
وأشار عثمان إلى أن انتشار العمالة الأجنبية المخالفة لا يؤثر فقط على فرص العمل، لكنه ينعكس أيضا على موارد الدولة، بسبب غياب الالتزام بالضرائب والتأمينات والإجراءات الرسمية المنظمة لسوق العمل.
وشدد محمد عثمان على ضرورة وجود تنسيق أكبر بين الجهات المعنية لمراجعة أوضاع العاملين الأجانب داخل المنشآت السياحية، والتأكد من التزام الجميع بالقواعد المنظمة للعمل، خاصة داخل المدن السياحية التي تشهد كثافة كبيرة في الحركة السياحية.
تكثيف الحملات التفتيشية
كما طالب بتكثيف الحملات التفتيشية داخل الفنادق والمنتجعات والشركات السياحية، لضبط أي تجاوزات تتعلق بتشغيل عمالة أجنبية بشكل غير قانوني، مؤكدا أن الحفاظ على هيبة القطاع السياحي يتطلب تطبيق القواعد على الجميع دون استثناء.
وأوضح أن بعض المنشآت تستغل ضعف الرقابة في تشغيل أجانب داخل مجالات حساسة تمس صورة المقصد السياحي المصري، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج سلبية على المدى البعيد إذا لم تتم السيطرة على هذه الظاهرة سريعا.
واختتم محمد عثمان تصريحاته بالتأكيد على أن السياحة المصرية تمر بفترة مهمة تحتاج فيها إلى مزيد من الانضباط والاحترافية، مشددا على أن دعم العامل المصري وتنظيم سوق العمل بشكل واضح سيظل أحد أهم عناصر الحفاظ على سمعة مصر السياحية وتعزيز ثقة السائحين في المقصد المصري.



