جدل قانون الأسرة: علماء الأزهر يرفضون بنوداً تخالف فلسفة الزواج في الإسلام
جدل قانون الأسرة: علماء الأزهر يرفضون بنوداً تخالف فلسفة الزواج

لم يكن الجدل المثار حول مشروع قانون الأسرة الجديد مجرد نقاش قانوني عابر، بل تحول خلال الفترة الماضية إلى واحدة من أكثر القضايا المجتمعية سخونة في الشارع المصري، نظراً لارتباطه المباشر بحياة ملايين الأسر، وتشابكه مع ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالطلاق والحضانة والرؤية والنفقة وحقوق الزوجين والأطفال. ومع اتساع دائرة النقاش بين القانونيين ورجال الدين والمهتمين بالشأن الأسري، اتجهت الأنظار نحو الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الدينية الأبرز في قضايا الأحوال الشخصية، انتظاراً لموقف واضح من البنود المثيرة للجدل التي حملها مشروع القانون الجديد.

قيمة عقد الزواج في الشريعة الإسلامية

في البداية، أكد الدكتور عبدالوارث عثمان أن مناقشة قوانين الأحوال الشخصية يجب ألا تتم بمعزل عن الفلسفة التي قامت عليها الأسرة في الشريعة الإسلامية. وأوضح أن الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد اجتماعي أو ارتباط مدني بين رجل وامرأة، وإنما عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله، ووسيلة لحفظ مقاصد الشريعة الكبرى المتمثلة في حفظ الدين والنفس والنسب والعقل والمال. وأشار إلى أن العلاقة الزوجية قائمة على السكن والمودة والرحمة والمسامحة، ولذلك فإن الإسلام لم يجعل عقد الزواج نقطة البداية الحقيقية، بل بدأ الأمر منذ مرحلة الاختيار القائم على الدين والأخلاق.

وانتقد عثمان بعض التصورات المطروحة في مشروع القانون، خاصة ما يتعلق بتحديد سن الحضانة بتسعة أعوام، معتبراً أنه يخالف روح الشريعة التي جعلت الأب مسؤولاً عن الرعاية والتوجيه. واستشهد بحديث النبي: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع»، موضحاً أن بلوغ الطفل هذه المرحلة يعني امتلاكه قدراً من الوعي يسمح بتلقي التوجيه. وشدد على أن الحضانة حق للمحضون نفسه، وأن المعيار الحقيقي هو تحقيق مصلحة الطفل أولاً.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

استبدال نظام الرؤية بنظام الاستضافة

وفيما يتعلق بملف الرؤية والاستضافة، اعتبر أستاذ الفقه المقارن أن من أبرز إيجابيات مشروع القانون الاتجاه نحو استبدال نظام الرؤية التقليدي بنظام الاستضافة، موضحاً أن الشريعة لم تحدد وقتاً زمنياً معيناً لرؤية الطفل، لأنها تنظر إلى الأمر كحق أصيل للمحضون في العيش برعاية أبوية طبيعية. وأضاف أن الطفل من حقه شرعاً وإنسانياً أن يتعرف على والديه وأسرته، محذراً من اختزال القضية في صراع بين الأب والأم. كما انتقد غياب عقوبات واضحة ضد الطرف الممتنع عن تنفيذ أحكام الرؤية أو الاستضافة، مؤكداً أن أي تعطيل لحق الطفل يترك آثاراً نفسية خطيرة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

منح الزوجة حق فسخ العقد خلال الأشهر الأولى

وعن منح الزوجة حق فسخ عقد الزواج خلال الأشهر الأولى بدعوى «التدليس»، أكد عثمان أن عقد الزواج يختلف عن سائر العقود المدنية، لأنه «ميثاق غليظ»، وهو وصف يعكس خصوصيته وقيامه على الدوام والاستقرار. وأضاف أن الشريعة منحت الزوجين الحق في طلب الفسخ حال وقوع الغش أو الضرر، لكن دون تقييد ذلك بفترة زمنية محددة. واعتبر أن تحديد مدة معينة يفتح الباب أمام سوء النية ويحول الحياة الزوجية إلى حالة من التربص، مما يهدد استقرار الأسرة.

كما انتقد عثمان فكرة «ملحق عقد الزواج» الذي يتضمن الاتفاق على الجوانب المالية أو السكنية بشكل تفصيلي، معتبراً أنها تمثل استباقاً للخلافات وتتعارض مع مقاصد الشريعة القائمة على المودة والستر والتسامح. وأكد أن تحويل عقد الزواج إلى بنود احترازية قد يزيد النزاعات مستقبلاً. وفي السياق نفسه، شدد على أن توثيق الطلاق الشفهي يجب التعامل معه بحذر، لأن إلزام الزوج بمدة محددة للتوثيق قد يعقد فرص الإصلاح ويغلق أبواب التسوية.

أستاذ بالأزهر يحذر: شرط الطلاق في عقد الزواج يهدد استقرار الأسرة

بدوره، أكد الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث في جامعة الأزهر، أن أي تنظيم قانوني يجب أن يراعي طبيعة عقد الزواج وأهدافه في الاستقرار والديمومة. وأوضح أنه لا يجوز شرعاً عقد الزواج على شرط مسبق بالطلاق، كأن تشترط المرأة إمكانية طلب الطلاق بعد مدة زمنية محددة، مثل ستة أشهر. واعتبر أن مثل هذا الشرط يتعارض مع طبيعة عقد الزواج الذي يقوم على الدوام، وليس التوقيت أو التعليق على شروط مستقبلية.

وأشار إلى أن هذا النوع من الشروط يعد باطلاً شرعاً، استناداً إلى القاعدة الفقهية «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». وأوضح أن الشريعة منحت المرأة حق طلب الطلاق للضرر أو الخلع في أي وقت دون الحاجة إلى اشتراط مدة زمنية. وتساءل العشماوي عن جدوى إدخال مثل هذه الشروط، معتبراً أنها قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الأسرة وتحويل العلاقة الزوجية إلى علاقة مؤقتة أقرب إلى المساكنة غير المستقرة.

عالمة أزهرية تهاجم بند فسخ الزواج: هل أصبحت المرأة «سلعة» تُجرَّب لعدة أشهر؟

بدورها، علقت الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، على منح الزوجة حق طلب فسخ عقد الزواج قضائياً خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر من تاريخ إبرام العقد، حال ثبوت أن الزوج ادعى صفات غير حقيقية. وأكدت أن هذا الطرح لا يجوز، لأنه يفتح الباب أمام صورة من الزواج المؤقت ويشبه زواج المساكنة، مما يهدد استقرار الأسرة. وأضافت أن تحديد مدة للزواج يخالف العقد الشرعي الصحيح، لأن الأصل في عقد الزواج أنه عقد تأبيد وليس مؤقتاً.

وتعجبت الحنفي متسائلة: «كيف يكون ذلك ويحدد الزواج بستة شهور؟ هل المرأة سلعة كي يوضع هذا الشرط: «هو لم يعجبني نفسخ العقد»؟». وعن بند توثيق الطلاق الشفوي، أوضحت أن الطلاق الشفوي يقع لأنه يصدر من الزوج البالغ العاقل مختاراً، وأن الغرض من توثيقه هو حماية حقوق المطلقة من النفقة والمؤخر وحق الأولاد. واقترحت أن يكون هناك مجلس صلح قبل التوثيق لعله يكون سبباً في الرجوع.

موقف الشرع من اشتراط موافقة الزوجة الأولى كتابياً عند زواج الزوج بأخرى

وعلقت الحنفي على مقترحات اشتراط موافقة الزوجة الأولى كتابياً عند زواج الزوج بأخرى، مؤكدة أن هذا الطرح يمثل تقييداً لما أباحته الشريعة الإسلامية بنصوص واضحة. وأوضحت أن تعدد الزوجات في الإسلام قُيد بحالات وظروف تقتضيها الحاجة والمصلحة، مثل عدم قدرة الزوجة الأولى على الإنجاب أو مرضها. وأكدت أن اشتراط موافقة الزوجة الأولى يتعارض مع طبيعة هذه الحالات، خاصة وأن الغالبية من النساء لا يقبلن مشاركة أخرى لهن في الزوج. وأوضحت أن العقد يظل صحيحاً شرعاً بينما يبطل الشرط نفسه، وتكون الزوجة مخيرة بين الاستمرار أو طلب الانفصال.

تحذير أزهري: ملحقات الزواج تفكك المودة وتحول الأسرة إلى «عقد تجاري»

وعن فكرة وجود «ملحق عقد الزواج» لتوثيق الاتفاقات المالية والسكنية، أكدت الحنفي أن عقد النكاح في الشريعة يختلف جذرياً عن سائر العقود، لما يترتب عليه من آثار خطيرة مثل النسب والميراث والنفقة. وأوضحت أن القرآن الكريم أضفى على عقد الزواج قدسية خاصة حين وصفه بالميثاق الغليظ، وربطه بالسكن والمودة والرحمة. وشددت على أن قياس عقد الزواج على العقود المالية يُعد خلطاً غير صحيح، لأن العقود المالية تقوم على الفسخ عند وجود عيب، بينما الزواج قائم على الاستقرار والاستمرار. وحذرت من أن إدخال «ملحقات تعاقدية» تفصيلية قد يحول الزواج إلى علاقة مشروطة بالحسابات المادية، ويضعف البعد النفسي والمعنوي الذي يقوم عليه.