كوبا تواجه أزمة طاقة غير مسبوقة
في تطور يعكس تصاعد الضغوط الاقتصادية وأزمة الطاقة في كوبا، تواجه الجزيرة واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة، بعد أن أعلنت السلطات الكوبية نفاد مخزوناتها من النفط الخام والوقود بشكل كامل، في ظل استمرار العقوبات والقيود الأمريكية على تدفق الإمدادات النفطية. وتأتي هذه التطورات وسط مخاوف من اتساع تداعيات الأزمة على الحياة اليومية والقطاعات الحيوية، خاصة مع تفاقم أزمة الكهرباء واتساع ساعات الانقطاع في العديد من المناطق.
أسباب هيكلية وأبعاد سياسية وراء تفاقم أزمة الطاقة في كوبا
قال الدكتور كريم السيد عبدالرازق، أستاذ العلوم السياسية، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن كوبا تواجه حاليًا واحدة من أكبر أزمات الطاقة في تاريخها، مشيرًا إلى أن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في عامل واحد فقط، رغم تأثير الحصار الأمريكي الممتد منذ عقود. وأوضح عبدالرازق أن الحصار الأمريكي على كوبا ليس أمرًا مستحدثًا، بل يرتبط بخلفيات أيديولوجية واستراتيجية ممتدة، فضلًا عن طبيعة العلاقات الأمريكية مع دول الجوار، مؤكدًا أن الأزمة الراهنة ليست نتيجة الحصار وحده، وإنما نتاج مجموعة من العوامل المتشابكة.
وأضاف أن هناك أسبابًا داخلية وهيكلية ساهمت بشكل كبير في تعقيد الوضع الاقتصادي الكوبي، من بينها ضعف البنية التحتية وتهالك العديد من محطات الطاقة، إلى جانب نقص قطع الغيار، فضلًا عن استمرار تأثير العقوبات المالية والنفطية الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي. وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الاقتصاد الكوبي يعاني كذلك من مشكلات هيكلية متعددة، تشمل ضعف معدلات الاستثمار وارتفاع معدلات البيروقراطية، إضافة إلى محدودية الحوافز الاقتصادية، لافتًا إلى أن قطاع السياحة شهد تراجعًا ملحوظًا بعد تداعيات جائحة كورونا، كما انخفضت التحويلات المالية الخارجية، وهو ما عمّق الأزمة الاقتصادية.
وأكد أن أزمة كوبا الحالية جاءت نتيجة تداخل العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية، موضحًا أن الحصار الأمريكي يمثل أحد العناصر المؤثرة لكنه ليس السبب الوحيد للأزمة. وفيما يتعلق بالدوافع الأمريكية، أوضح عبدالرازق أن فرض الحصار على كوبا لا يرتبط فقط بأبعاد اقتصادية، وإنما تحكمه اعتبارات سياسية أيضًا، تتمثل في ممارسة ضغوط على النظام الكوبي، بالإضافة إلى ارتباطه بحسابات داخلية أمريكية تتعلق بالوضع الانتخابي، خاصة في ولايات مثل فلوريدا التي تضم قطاعات مناهضة للنظام الكوبي.
وأضاف أن العقوبات الأمريكية من الناحية القانونية لا تستهدف الغذاء والدواء بشكل مباشر، إلا أنها قد تؤدي بصورة غير مباشرة إلى زيادة تكاليف التمويل والشحن والتأمين، وهو ما يخلق أزمات واختناقات تؤثر على وصول السلع والخدمات. وأشار إلى أن النظام الكوبي استخدم على مدار سنوات الحصار كأداة لتبرير بعض الإخفاقات الداخلية، وكذلك لحشد التأييد الشعبي ودعم النظام في مواجهة الضغوط الخارجية. وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن الحصار الأمريكي الممتد لأكثر من ستة عقود لم يحقق أهدافه بشكل كامل، موضحًا أن النظام الكوبي لم يسقط، كما لم يشهد الاقتصاد انهيارًا سريعًا، رغم تعرضه لحالة من الإضعاف المستمر. واختتم عبدالرازق تصريحاته بالتأكيد على أن الحصار الأمريكي لا يزال يمثل إحدى أدوات السياسة الخارجية الأمريكية للضغط على كوبا وتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، دون أن ينجح حتى الآن في إحداث تغيير جذري في توجهات الدولة الكوبية أو سياساتها.
العلاقات مع روسيا والصين وإيران تضع كوبا في دائرة الضغوط الأمريكية
قال الدكتور طارق البرديسي، أستاذ العلاقات الدولية، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن أزمة الطاقة التي تواجهها كوبا ترتبط في جانب منها باستمرار السياسات الأمريكية القائمة على فرض الحصار والضغوط الاقتصادية، مشيرًا إلى أن كوبا تعتمد بصورة كبيرة على إمدادات الطاقة القادمة من فنزويلا، وهو ما جعلها تتأثر بالتطورات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وأوضح البرديسي أن التغيرات السياسية والتحولات التي شهدتها فنزويلا ألقت بظلالها على حركة تدفق الطاقة إلى كوبا، لافتًا إلى أن أي قيود أو اضطرابات في مسارات الإمدادات القادمة من كاراكاس إلى هافانا تؤدي إلى ضغوط إضافية على قطاع الطاقة الكوبي وتؤثر على حجم المخزونات المتاحة.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أن الولايات المتحدة لا تكتفي باستمرار الحصار المفروض على كوبا، وإنما تعمل على تشديده في إطار حسابات استراتيجية أوسع، خاصة في ظل طبيعة العلاقات التي تربط هافانا بكل من روسيا والصين وإيران، موضحًا أن واشنطن تنظر إلى هذه التحالفات باعتبارها جزءًا من شبكة نفوذ دولية تسعى إلى الحد من تمددها. وأشار إلى أن الضغوط المفروضة على كوبا تأتي ضمن سياسة أوسع تهدف إلى احتواء القوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين، موضحًا أن الولايات المتحدة تسعى إلى إبطاء معدلات النمو والتوسع الصيني عبر أدوات ضغط متعددة في مناطق مختلفة من العالم.
وأكد البرديسي أن هذه السياسات قد لا تحقق النتائج المرجوة بصورة كاملة، خاصة في ظل استمرار وجود تحالفات ودعم متبادل بين القوى الدولية الكبرى، مشيرًا إلى أن الصين وروسيا لا تزالان تمثلان أطرافًا مؤثرة في معادلات التوازن الدولي. وأضاف أن كوبا اعتادت التعامل مع ظروف الحصار والضغوط الاقتصادية على مدار عقود طويلة، الأمر الذي دفعها إلى تطوير آليات بديلة للتعامل مع الأزمات، سواء عبر قنوات غير تقليدية أو من خلال البحث عن مصادر دعم وإمداد مختلفة تساعدها على تجاوز الأزمات المتكررة.
وأوضح أن المشهد الدولي الحالي يشهد تغيرات واضحة في موازين القوى، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد المتحكم في النظام الدولي كما كان الحال سابقًا، في ظل بروز قوى جديدة تنافسها على النفوذ والتأثير، وعلى رأسها الصين. واختتم أستاذ العلاقات الدولية تصريحاته بالتأكيد على أن التحركات والاتصالات الأمريكية مع الصين تأتي في إطار البحث عن تفاهمات سياسية واستراتيجية جديدة، إلا أن المشهد الدولي الحالي بات أكثر تعقيدًا وتشابكًا، ما يجعل احتمالات المقايضات السياسية الكبرى محل تساؤل في ظل تضارب المصالح بين القوى الكبرى.



