لم يعد تقييم أداء الموظف الحكومي مجرد إجراء روتيني ينتهي بحفظ الأوراق في ملفات الموارد البشرية، بل بات محركًا أساسيًا لبقاء الموظف في موقعه أو مغادرته للجهاز الإداري للدولة. وفي هذا السياق، وضع قانون الخدمة المدنية ضوابط حاسمة توازن بين الحفاظ على كفاءة العمل الحكومي، وبين منح الموظف فرصًا متتالية لإثبات جدارته وتطوير أدائه قبل الوصول إلى قرار الفصل النهائي، مما يجعل مسار إنهاء الخدمة لعدم الصلاحية عملية تدريجية مشروطة بسلسلة من التقييمات الفنية والإجراءات القانونية.
التدرج العقابي: من النقل إلى إنهاء الخدمة
تنص المادة (27) من القانون على آلية محددة للتعامل مع الموظف الذي يُقدم عنه تقريران سنويان متتاليان بمرتبة "ضعيف"، حيث يعرض أمره على لجنة الموارد البشرية لنقله إلى وظيفة أخرى ملائمة في ذات مستواه الوظيفي لمدة لا تجاوز سنة. وإذا ثبت بعد انقضاء هذه السنة عدم صلاحيته للعمل في الوظيفة الجديدة بطريقة مرضية، تقترح اللجنة خصم 50% من أجره المكمل لمدة 6 أشهر. وفي حال استمرار عدم الصلاحية بعد هذه المدة، تملك اللجنة الحق في اقتراح فصله من الخدمة مع الحفاظ على حقوقه التأمينية، ورفع التقرير للسلطة المختصة للاعتماد.
أما المادة (28) فقد اختصرت هذا المسار لشاغلي الوظائف القيادية، حيث تنتهي خدمتهم لعدم الصلاحية فور تقديم تقريرين متتاليين بمرتبة أقل من "فوق المتوسط"، وذلك من اليوم التالي لصدور آخر تقرير نهائي مع حفظ حقهم في المعاش.
حصانة التظلم والمدد القانونية لحماية الموظف
ضمانًا للعدالة ومنعًا للتعسف، ألزم القانون إدارة الموارد البشرية بإعلان الموظف بصورة من تقرير تقويم أدائه فور اعتماده، ومنح الموظف حق التظلم منه خلال 15 يومًا من تاريخ الإعلان. وتختلف جهة البت بحسب المستويات الوظيفية؛ حيث يرفع شاغلو الوظائف القيادية والإشرافية تظلماتهم إلى السلطة المختصة مباشرة، بينما تبث لجنة تظلمات ثلاثية (تضم عناصر قيادية وممثلًا عن اللجنة النقابية) في تظلمات باقي الموظفين.
ويوجب القانون البت في هذا التظلم خلال 60 يومًا بإعلان مسبب ونهائي، مع عدم الإخلال بحق الموظف في اللجوء إلى القضاء، إذ لا يُعتبر تقرير الأداء نهائيًا إلا بعد البت في التظلم أو انقضاء مدته القانونية.
ضوابط منظومة العمل الحكومي
وتكمن القيمة الفنية والرقابية لهذه النصوص في تحويل منظومة العمل الحكومي من الإدارة بالثوابت إلى الإدارة بالأداء، حيث يمثل التدرج من النقل إلى خصم الأجر المكمل خطة تأهيلية تمنح الموظف فرصة لتصحيح مساره المهني. إن صياغة هذه الضوابط تمنع العشوائية في اتخاذ قرارات الفصل، وتضمن أن يكون الاستغناء عن خدمات أي موظف مبنيًا على تقارير علمية وميدانية موثقة، تحمي إنتاجية المؤسسة وتصون في الوقت ذاته الحقوق التأمينية والاجتماعية للعاملين.
وعلى الجانب الميداني، تسهم لجان التظلمات والمدد الصارمة للبت فيها (60 يومًا) في خلق بيئة عمل مستقرة داخل الوحدات الإدارية، ما يحد من النزاعات العمالية الطويلة. هذا التوازن بين تفعيل الرقابة الإدارية وبين صون حق الموظف في الدفاع عن كفاءته، يمثل الركيزة الأساسية للإصلاح الإداري الذي تستهدفه الدولة، بما يضمن استبعاد العناصر غير المنتجة وتطوير الكوادر القابلة للتحسين، وصولًا إلى خدمة حكومية متميزة.



