أكد الدكتور طارق حماد، العميد الأسبق لكلية التجارة بجامعة عين شمس، أن إنقاذ الهيئات الاقتصادية من الخسائر الكبيرة يتطلب تحريكًا معقولًا لأسعار الخدمات لضمان استمراريتها، مع تشديد الرقابة على المصروفات والعمالة الزائدة والفساد الإداري.
خسائر فادحة للهيئات الاقتصادية
جاء ذلك تعقيبًا على التقرير الختامي للموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2024/2025، الذي أظهر تحولًا جوهريًا في إدارة الأداء المالي للهيئات الاقتصادية عبر استحداث موازنة الحكومة العامة التي تضم 59 هيئة إلى جانب موازنة الجهاز الإداري للدولة. ورغم ذلك، تكبدت هذه الهيئات خسائر كبيرة بلغ عجزها الاقتصادي 344 مليار جنيه، وحققت 11 هيئة منها نحو 16 مليار جنيه خسائر في عام واحد.
أسباب العجز الكلي
أرجع التقرير العجز الكلي إلى عوامل هيكلية ومالية، منها شراء الأصول المالية بقيمة 189.219 مليار جنيه، وأعباء فوائد الديون البالغة 74.122 مليار جنيه، وسداد قروض محلية وأجنبية بقيمة 268.005 مليار جنيه. وتصدرت الهيئة العامة للطرق والكباري قائمة الهيئات الأكثر احتياجًا للتمويل بمصروفات 57.3 مليار جنيه، يليها صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري بـ 51.8 مليار جنيه، ثم الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي بـ 33 مليار جنيه، والهيئة العامة للرعاية الصحية بـ 16.6 مليار جنيه.
تحليل أسباب الخسائر
أوضح حماد أن الأسباب متعددة، أبرزها وجود عمالة زائدة نتيجة غياب التوازن الدقيق الموجود في القطاع الخاص وتدخل الوساطات، مما أدى إلى تضخم المصروفات مع ارتفاع الحد الأدنى للأجور. كما أشار إلى الفساد الإداري الذي لا يقتصر على السرقة، بل يشمل تقاضي رواتب دون عمل فعلي، والتعيينات غير الضرورية، والإسراف في بنود مثل وقود السيارات وتغيير الأثاث.
الإيرادات المقيدة بالتسعيرة الحكومية
أضاف حماد أن الإيرادات محدودة لأن الدولة تلتزم بتسعيرة معينة مراعاة للربح الاجتماعي، فخدمات مثل مياه الشرب والكهرباء والتموين لا يمكن تسعيرها عالميًا لأنها تمثل ضغطًا كبيرًا على المواطن. وضرب مثالًا بتذكرة المترو التي لا يمكن رفعها إلى 20 أو 30 جنيهًا لأنها تفوق قدرة الموظفين، كما تضطر الدولة لدفع أجور مرتفعة في قطاعات مثل الإعلام للاحتفاظ بالكوادر.
وحدة الموازنة كحل
شدد حماد على أن وحدة الموازنة مبدأ أساسي، فالموازنات المستقلة تتيح الإسراف والفساد، بينما دمجها يتيح لوزارة المالية ومجلس النواب تحديد الأولويات وتوزيع الموارد. وعن طرح أجزاء للقطاع الخاص بنظام الإدارة، رأى أن الإدارة وحدها لا تكفي دون تغيير شامل وهيكلة جذرية مالية وإدارية وفنية، مع إعادة تدريب العمالة الزائدة والقضاء على ظاهرة المستشارين الذين تجاوزوا الستين ويحتفظون بامتيازات ضخمة.
الخصخصة والاحتفاظ بالهيئات الحيوية
أكد أن الخصخصة كلما أمكن هي الأفضل، مع ضرورة احتفاظ الدولة بالهيئات التي تمس الأمن القومي أو الخدمات الأساسية. وأشار إلى أن مترو الأنفاق كان مديونًا ديونًا رهيبة حين كانت التذكرة بجنيه، لكن تحريك السعر تدريجيًا أعاد له الحياة. لذا، يتطلب الإنقاذ مسارين: تحريك معقول للأسعار مع رقابة محكمة على المصروفات والعمالة والفساد.
واختتم حماد بالقول إن بعض الهيئات كالسكة الحديد تلتهم فوائد القروض إيراداتها، ويمكن مساعدتها بجدولة الديون، لكن لا يصح تثبيت الأسعار لفترات طويلة، فرغيف الخبز ظل بـ 5 قروش لـ 20 عامًا وهو قرار خاطئ، لأن توقف المرفق يضر المواطن أولاً.



