أكد الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بتمويل التنمية المستدامة، أن الموازنة العامة لأي دولة ليست مجرد أرقام وجداول، بل تمثل الانعكاس الحقيقي والترجمة الفعلية لأولويات الدولة وسياساتها. وشدد على أنه إذا لم يكن الأمر موجوداً في الموازنة، فهو غير موجود على أرض الواقع، مما يجعل الموازنة أداة حاسمة لتحقيق الأهداف الوطنية.
التعليم بين الإتاحة والجودة
وفي حديثه عن قطاع التعليم باعتباره أحد أبرز مستهدفات التنمية المستدامة، أوضح محيي الدين أن الخطط التنموية خلال الفترة من عام 2000 حتى 2015 ركزت بصورة أساسية على تحقيق الإتاحة وتعميم التعليم الأساسي. وأشار إلى نجاح الدولة المصرية خلال تلك المرحلة في رفع معدلات الالتحاق بالمدارس بشكل ملحوظ، مما أسهم في توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمة التعليمية.
وأضاف أن التحدي العالمي والمحلي بعد عام 2015 لم يعد يقتصر على مجرد إلحاق الأطفال بالمدارس، بل تحول بالكامل نحو جودة التعليم والإجابة عن السؤال الجوهري: «هل يتعلم الطلاب بالفعل؟». وأكد أن التركيز على جودة التعلم أصبح ضرورة ملحة لضمان تحقيق التنمية المستدامة.
رؤية فلسفية للتعليم
واستشهد محيي الدين برؤية الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، الذي كان يرى أن التعليم ليس مجرد عملية لحشو العقول بالمعلومات، وإنما وسيلة لمساعدة الإنسان على النمو والازدهار. وأوضح أن هذه النظرة تؤكد أن التعليم الحقيقي يتجاوز التلقين إلى بناء الشخصية وتنمية القدرات.
ذكريات معلمين عظماء
وفي لفتة إنسانية، استعاد محيي الدين ذكريات مرحلته الدراسية المبكرة في حي الزمالك، مستحضراً أسماء عدد من معلميه الذين تركوا أثراً كبيراً في مسيرته. وأكد أن لكل جيل معلمين عظماء يدين لهم بالفضل، وخص بالذكر الأستاذ محمد السبع، والأستاذتين ليلى منصور وليلى شريف، والأستاذ المنشاوي، والأستاذة لمياء وهبة، والأستاذ محمد البنا.
وأشار إلى أن هذه القامات التعليمية، رغم أن كثيرين قد لا يعرفون أسماءهم خارج محيط المدرسة، فإنهم يمثلون نموذجاً متكرراً في حياة أبناء جيله. وأكد أن التأثير الحقيقي للتعليم لا يتحقق إلا من خلال التفاعل المباشر مع المعلمين والاستفادة من خبراتهم وعطائهم.
بناء المصداقية ومواجهة التحديات
وشدد محيي الدين على أهمية بناء المصداقية ومواجهة التحديات في تطوير قطاع التعليم، معتبراً أن التقارير الرسمية المتوازنة والمبنية على الأدلة تمثل بداية الطريق وليست نهايته، لأنها تكشف الإيجابيات وتحدد بدقة الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التحسين.
مؤشر رأس المال البشري
واستعرض تقرير البنك الدولي الخاص بـ«مؤشر رأس المال البشري» (Human Capital Index)، وهو مؤشر يجمع بين التعليم والرعاية الصحية ومؤشرات سوق العمل. وأوضح أن مصر سجلت 161 نقطة، في حين يبلغ الحد الأقصى العالمي المستهدف 325 نقطة، وهو رقم لم تصل إليه أي دولة حتى الآن.
وأوضح أن قراءة هذه المؤشرات تختلف وفقاً لزاوية المقارنة؛ فعلى المستوى الإقليمي، تتفوق مصر على متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي يبلغ 147 نقطة، كما تتجاوز متوسط الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى البالغ 150 نقطة.
لكنه أكد أن الدول الجادة لا تكتفي بالمقارنات الإقليمية، بل تنظر دائماً إلى النماذج العالمية الأعلى أداءً، مشيراً إلى أن البوصلة العالمية تتجه حالياً نحو التجارب الآسيوية الناجحة.
التجارب العالمية الرائدة
وأضاف أن اليابان جاءت في المركز الأول عالمياً بـ284 نقطة، تلتها سنغافورة بـ282 نقطة، ثم هولندا، فيما سجلت بريطانيا 271 نقطة، والولايات المتحدة 261 نقطة.
ودعا محيي الدين وزراء التعليم والصحة إلى عدم الاكتفاء بالتفوق الإقليمي، بل تبني رؤية طموحة تستهدف الوصول إلى أفضل المستويات العالمية، والاستفادة من التجارب الآسيوية الرائدة، مع مواكبة التحولات العالمية المتسارعة.



