د. كمال مغيث: نعيش عبثاً تعليمياً باستنساخ التجارب الأجنبية
د. كمال مغيث: نعيش عبثاً تعليمياً باستنساخ التجارب

أجرت فيتو حواراً مع الأكاديمي البارز الدكتور كمال مغيث، أستاذ أصول التربية والتعليم والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، وناقشت معه عدداً من القضايا المتعلقة بتطوير التعليم في مصر، منها إعلان وزارة التربية والتعليم إدخال مناهج يابانية في العام المقبل، واستنساخ التجارب الأجنبية، وتأثيرها على الهوية الوطنية، كما طرح تصوراً لمشروع قومي للتعليم لا يتغير بتغير الوزراء.

رأي في إدخال التجربة اليابانية

علق الدكتور كمال مغيث على إعلان وزير التعليم تطبيق التجربة اليابانية قائلاً: إن الحديث عن هذه التجربة يطرحه وزراء التعليم منذ سنوات، لكن المشكلة الأساسية أننا لا نعرف على وجه التحديد ما المقصود بها، وما العناصر التي يراد نقلها إلى منظومة التعليم المصري. وأشار إلى أنه منذ نحو 7 سنوات أعلن وزير التربية والتعليم الأسبق طارق شوقي عن إنشاء 30 مدرسة يابانية، مع تركيز كبير على مصطلح "التوكاتسو"، الذي لا يتجاوز فكرة إشراك أولياء الأمور في الأنشطة المدرسية، وهو أمر موجود في كثير من النظم التعليمية. وأكد أن المدارس التي أُطلق عليها "يابانية" لم تطبق النظام الياباني بشكل كامل، بل كانت مدارس خاصة أنشئت بمنحة يابانية.

الجوانب القانونية لتطبيق التجارب الأجنبية

أوضح مغيث أنه لا يمكن قانونياً تطبيق تجربة تعليمية أجنبية كاملة في المدارس الحكومية، فاللوائح المنظمة للتعليم الخاص في مصر تنص على أن المدارس الخاصة تلتزم بالمناهج واللوائح المطبقة في المدارس الحكومية، مع إمكانية إضافة بعض المواد أو الأنشطة بعد موافقة الوزارة. الاستثناء الوحيد هو المدارس الدولية التي تطبق تجربة كاملة مثل البكالوريا الدولية. وطالب بأن تكون أي تجربة يابانية في إطار مدرسة دولية واضحة المعايير.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تطبيق التجربة اليابانية في الرياضيات والعلوم

اعتبر مغيث أن الأمر غير مفهوم، فمقرر الرياضيات نسق متكامل، ولا يمكن تكييفه في المرحلة الابتدائية بشكل منفصل عن المراحل الأخرى. وتساءل: لماذا التجربة اليابانية تحديداً دون غيرها؟ وأكد أننا نعيش حالة من العبث الشديد، حيث تطبق قرارات دون دراسة سياساتها وأهدافها.

حقوق الملكية الفكرية والتحديات

أشار مغيث إلى أن مصر قد تحتاج لدفع حقوق ملكية فكرية لليابان إذا استعانت بمنهجها، إلا إذا تم إبرام اتفاقية بين الطرفين. كما تحدث عن تحديات تدريب عشرات الآلاف من المعلمين، وترجمة المناهج التي اعتبرها سهلة في الرياضيات لأنها تعتمد على الرموز.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

العبء الاقتصادي والاستفادة الصحيحة من التجارب

أكد مغيث أن استنساخ التجارب الأجنبية يمثل عبئاً اقتصادياً إضافياً، ويتطلب ميزانيات ضخمة للترجمة وتطوير المناهج وتدريب المعلمين وتغيير البنية التحتية. وانتقد أن هذه المشروعات تطرح في وقت تعاني فيه المدارس من ضعف الإمكانيات وتهالك البنية الأساسية ونقص المعلمين، معتبراً أن الحديث عن استنساخ التجارب هو مجرد هروب من مواجهة الأزمة الحقيقية. ودعا إلى الاستفادة من علم التربية المقارنة، ودراسة التجارب الناجحة عالمياً، ثم اختيار ما يناسب المجتمع المصري وتكييفه وفق احتياجاته وثقافته الوطنية.

تأثير تغيير المناهج على الهوية الوطنية

أوضح مغيث أن الهوية الوطنية لا تتشكل فقط من خلال المناهج، بل من خلال التعليم والثقافة والإعلام والواقع المجتمعي. وأشار إلى أن تعدد الأنظمة التعليمية بين الحكومي والخاص والدولي والأزهري أدى إلى تباين كبير في تكوين الطلاب ثقافياً وفكرياً، مما يهدد فكرة الهوية الوطنية المشتركة. وانتقد اعتماد التعليم الحالي على الحفظ والتلقين مع تراجع الأنشطة التربوية والثقافية.

أنجح حقبة تعليمية في مصر

رأى مغيث أن أنجح حقبة زمنية في تاريخ التعليم المصري كانت قبل ثورة يوليو وبعدها، حيث طبقت مصر التجربة المصرية التي أثبتت نجاحها، وخرجت أجيالاً كاملة قادت الدولة في مختلف المجالات. وأكد أن القضية ليست في استيراد نموذج من الخارج، بل في إعادة بناء المدرسة المصرية على أسس قوية.

أسباب تدهور التعليم

السبب الأساسي في تدهور التعليم حالياً، حسب مغيث، هو تراجع الإنفاق الحقيقي على التعليم. فنص الدستور على تخصيص 4% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم، لكن المنفق حالياً لا يتجاوز 2%، مما أدى إلى مدارس فقيرة الإمكانيات، ومعلم يعاني مادياً، وعجز كبير في أعداد المعلمين يصل إلى 600 ألف معلم. وأكد أنه في ظل هذه الظروف لا يمكن الحديث عن نجاح أي نظام تعليمي.

تعدد الأنظمة التعليمية وتأثيره

أشار مغيث إلى التفاوت الكبير بين التعليم الحكومي والخاص والدولي، والذي انعكس على مستويات الطلاب. ورأى أن هذا التنوع كان يمكن أن يكون عنصر إثراء إذا تم الحفاظ على مفهوم المواطنة كإطار جامع، لكن للأسف لم يعد التعليم في مصر يهتم بهذا الجانب بشكل كافٍ.

مشروع قومي للتعليم

دعا مغيث إلى تأسيس مجلس قومي للتعليم قوي وفعال، يضم خبراء وعلماء متخصصين، لوضع أهداف التعليم وسياساته العامة وتطوير المناهج، بينما يقتصر دور الوزارة على التنفيذ. كما اقترح زيادة ميزانية التعليم من خلال مصادر متعددة، وربط الحوافز بتحقيق الأهداف التعليمية، وتفعيل البحث العلمي، وإعادة الأنشطة المدرسية، وتطوير الامتحانات لتعتمد على الإبداع والتفكير بدلاً من الحفظ والتلقين.

أفضل تجربة تعليمية عالمياً

اعتبر مغيث أن التجربة الفنلندية تعد من أفضل التجارب التعليمية عالمياً، إلى جانب بعض دول غرب أوروبا. وأكد أن مصر لم تعد ضمن المراتب المتقدمة في التصنيفات التعليمية العالمية.