أزمة الصراف الآلي في العيد: معاناة متكررة بلا حلول جذرية
أزمة الصراف الآلي في العيد: معاناة متكررة

على هاشم: الصراف الآلي أزمة كل عيد.. فمتى نتعلم؟! كيف نتحدث عن الشمول المالي بينما يتحول كل عيد وكل موعد صرف للمرتبات والمعاشات إلى موسم معاناة يومية أمام ماكينات الصراف الآلي؟! وكيف يمكن إقناع المواطن بجدوى الرقمنة والخدمات المصرفية الحديثة، بينما يقضي ساعات طويلة متنقلا بين ماكينة فارغة وأخرى معطلة وثالثة ترفض الخدمة؟! وهل الأزمة في سلوك الناس وحدهم، أم في غياب الاستعداد الحقيقي لمواجهة أزمة تتكرر في الموعد نفسه كل عام دون أن تجد حلا جذريا حتى الآن؟!

تساؤلات حول حجم السحب النقدي

هذه التساؤلات أعاد طرحها الدكتور رضا عبد السلام، أستاذ الاقتصاد وعضو مجلس النواب، حين علّق على تصريحات السيد محمد الإتربي رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي واتحاد بنوك مصر بشأن سحب المصريين نحو 9 مليارات جنيه خلال يومين فقط بمناسبة العيد. وهي التصريحات التي حاول البعض تقديمها باعتبارها مؤشرا على زيادة الإنفاق وتحسن الأوضاع الاقتصادية، بينما الحقيقة أكثر تعقيدا من مجرد أرقام جامدة لا تعكس وحدها الواقع الحقيقي للمواطن المصري.

فالزيادة في حجم السحب النقدي لا تعني بالضرورة زيادة حقيقية في القوة الشرائية أو رفاهية الناس، لأن الجنيه المصري فقد خلال السنوات الماضية جزءا كبيرا من قيمته الشرائية، وأصبح المواطن مضطرا إلى سحب أموال أكثر للحصول على الاحتياجات نفسها التي كان يوفرها بمبالغ أقل بكثير قبل سنوات. فالعيدية التي كانت قبل عقد من الزمن تكفيها عشرون جنيها، أصبحت اليوم تحتاج إلى مائتين وربما أكثر حتى تحتفظ بالقيمة الاجتماعية ذاتها، لا لأن الناس أصبحوا أكثر ترفا، بل لأن تكلفة الحياة نفسها تغيرت بصورة هائلة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

جوهر الأزمة: طوابير وأعطال متكررة

غير أن جوهر الأزمة لا يقف عند حدود التضخم أو تراجع القوة الشرائية، بل يمتد إلى مشهد متكرر ومؤلم بات جزءا من ذاكرة المصريين في كل موسم: طوابير طويلة أمام ماكينات فارغة، وأعطال متكررة، ومواطن يلهث بين بنك وآخر بحثا عن أمواله التي هي حق أصيل له لا منحة من أحد. والمفارقة أن هذه الأزمة ليست مفاجئة حتى نقول إنها فوق طاقة البنوك أو شركات تشغيل الصرافات، بل هي أزمة موسمية معلومة الموعد والتوقيت والحجم، وكان يفترض أن تكون هناك خطط استباقية دقيقة للتعامل معها، سواء عبر زيادة تغذية الماكينات بالأموال أو نشر فرق صيانة وطوارئ أو حتى إلغاء رسوم السحب بين البنوك خلال أيام الذروة تخفيفا عن المواطنين.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

والمؤسف أن المواطن الذي يذهب لسحب راتبه أو معاشه من ماكينة بنكه، ثم يجدها خالية أو متوقفة، يضطر إلى السحب من بنك آخر مقابل رسوم إضافية، لتتحول الأزمة من مجرد قصور تشغيلي إلى عبء مالي جديد يتحمله المواطن وحده، بينما تحقق بعض البنوك أرباحا إضافية من هذا الخلل المتكرر. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: أين دور الرقابة والمتابعة؟! وأين تقييم الأداء الحقيقي لمنظومة الصرافات؟! وهل يكفي أن نتحدث عن التحول الرقمي في المؤتمرات بينما لا يزال المواطن عاجزا عن الوصول السلس إلى أمواله في أبسط المناسبات؟!

بناء الثقة ليس بالشعارات

لا أحد ينكر ما تحقق في القطاع المصرفي من تطور خلال السنوات الأخيرة، ولا ما تبذله الدولة من جهود لدعم الشمول المالي وتقليل الاعتماد على النقد، لكن بناء الثقة لا يتم بالشعارات وحدها، بل بتجربة يومية يشعر فيها المواطن أن النظام المصرفي يعمل لأجله لا أنه يضيف إلى أعبائه أعباء جديدة. فالثقة الحقيقية تبدأ حين يجد المواطن أمواله متاحة بسهولة وكرامة، دون طوابير أو قلق أو رسوم إضافية أو رحلة بحث شاقة بين الصرافات.

ويبقى السؤال الأهم: كيف نطمح إلى مجتمع أقل اعتمادا على النقد، بينما لا تزال أبسط الخدمات المصرفية تعاني هذا القدر من الارتباك في أوقات الذروة؟! وكيف نطالب المواطن بالاندماج الكامل في المنظومة الرقمية، إذا كانت المنظومة نفسها لم تنجح بعد في طمأنته إلى أن حقه في الوصول إلى أمواله حق مضمون في كل وقت؟! ثم متى تتحول معاناة المصريين الموسمية أمام ماكينات الصراف من مشهد معتاد إلى جرس إنذار حقيقي يدفع الجميع إلى مراجعة الأداء قبل أن تضيع الثقة في واحدة من أهم أدوات الإصلاح الاقتصادي والمالي؟!