لم يعد الحفاظ على الرقعة الزراعية في مصر مجرد خطة حكومية لحماية المساحات الخضراء، بل تحول إلى قضية أمن قومي تفرض صياغة أطر تشريعية بالغة الصرامة لردع أي محاولات لتجريف التربة أو استغلالها في غير غرضها الأصيل.
وتأتي مواد قانون الثروة المعدنية لتضع حدًّا فاصلًا للأنشطة الصناعية والتعدينية العشوائية، مستهدفةً حظر إقامة المحاجر على الأراضي المنتجة للغذاء. وتتجلى الفلسفة العقابية الجديدة للتشريع في توسيع دائرة المساءلة الجنائية؛ إذ لم تعد العقوبة تلاحق المستثمر المخالف وحده، بل امتدت لتطال الموظف التنفيذي الذي يسهل أو يشترك في إصدار تراخيص ملتوية، بما يضمن حوكمة المنظومة الإدارية وتطهيرها من ثغرات الفساد أو الإهمال.
المادة 43: مقصلة الحبس والتدابير التكميلية
أقر المشرع حزمة من العقوبات المغلظة بموجب المادة 43 من القانون، مستهدفًا كل من سولت له نفسه المساس بسلامة الأراضي الزراعية. ونصت المادة على معاقبة كل من أصدر أو اشترك في إصدار ترخيص بإقامة أو استغلال محجر على أرض زراعية بالحبس مدة لا تقل عن سنة كاملة، وبغرامة مالية تبدأ من 200 ألف جنيه وتصل إلى مليون جنيه، وذلك كعقوبة أصلية دون الإخلال بأي عقوبات أشد تنص عليها القوانين الأخرى المعمول بها في القضاء الجنائي.
ولإغلاق الدائرة، تمتد ذات العقوبة المقيدة للحرية والغرامة المالية إلى الشخص المستفيد الذي صدر له الترخيص وقام فعليًا بإقامة المحجر أو تشغيله أو استخدامه على أرض الواقع.
ولم يكتفِ القانون بالعقوبة البدنية والمالية، بل ألزم المحكمة بفرض تدابير تكميلية حاسمة تشمل الإزالة الفورية لكافة الأعمال المخالفة على نفقة المعتدي، ومصادرة جميع الأدوات والمعدات المستخدمة في ارتكاب الجريمة لصالح الدولة.
المسؤولية التأديبية وحظر المخالفات الفنية
يضمن تشديد الرقابة على إدارة واستغلال الموارد الطبيعية، وضعت المادة 44 حائط صد آخر يتكامل مع المنظومة الحمائية للرقعة الزراعية؛ حيث نصت على فرض غرامة مالية لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تجاوز 300 ألف جنيه على كل من يخالف أحكام المادة 35 من ذات القانون.
وحرص المشرع على تأكيد أن هذه الغرامة المالية لا تعفي المخالف من التبعات القانونية الأخرى، حيث تظل المسؤولية التأديبية للموظفين والمسؤولية المدنية للشركات والأفراد قائمة بحسب الأحوال، مما يتيح للدولة والجهات المتضررة المطالبة بالتعويضات المناسبة عن حجم الأضرار التي لحقت بالبيئة أو بالتربة الزراعية جراء النشاط المخالف.



