أجاب واقترح أ.د/ حسن يوسف على السؤال المحير: إذا كان معدل النمو يرتفع، فلماذا يشعر المواطنون بالبؤس؟! نُشر المقال يوم الأحد 31 مايو 2026، حيث تناول قضية اقتصادية جوهرية تمس حياة المواطن المصري.
النمو لا يعني بالضرورة التنمية
أوضح الدكتور حسن يوسف أنه منذ عام 2012 كتب خمسة مقالات على الأقل حاول فيها شرح أن النمو (زيادة حجم الناتج) لا يؤدي بالضرورة إلى تنمية (ارتفاع مستوى المعيشة). ورغم أن الخطاب الاقتصادي الرسمي يحمل في عنوانه كلمة "التنمية"، إلا أنه يتعامل مع "معدل النمو" كرمز النجاح الأول. كلما زاد الناتج المحلي الإجمالي، ظننا أن المجتمع أصبح أكثر ثراءً، وأن الحياة صارت أفضل. لكن الحالة المصرية أكبر دليل على عدم صدق هذه الفرضية.
زيادة الناتج شرط ضروري ولكنه غير كافٍ
زيادة الناتج شرط ضروري لرفع مستوى المعيشة، ولكنه شرط غير كافٍ. هناك قول شاع عن وزير مالية مصر الأسبق بطرس غالي: "أعطوني معدل نمو يعادل 7% وأنا أضمن لكم ارتفاع مستوى معيشة الطبقة الدنيا". وكان له ما أراد بين عامي 2005 و2008، حيث بلغ معدل النمو 6.8% إلى 7.2%، ولكن لم يشعر الناس بارتفاع مستوى المعيشة، بل انتهى الأمر في 2011 بما لا يحمد عقباه. ثبت بالدليل العملي أن الاقتصاد يمكن أن ينمو بينما تبقى المعاناة كما هي أو تزداد.
تشبيه الفطيرة
لفهم الفرق ببساطة، تخيل أن الاقتصاد "فطيرة" كبيرة. زيادة معدل النمو تخبرنا بأن حجم الفطيرة ازداد، لكنها لا تخبرنا من حصل على القطع الأكبر ومن لم يحصل على أي زيادة. كل الشواهد تقول إن زيادة الناتج في عهد بطرس غالي تم اختطافها بواسطة عدد قليل من العائلات والفاعلين الاقتصاديين. ويخشى الكاتب أن ما يجري اليوم على الساحة هو امتداد لتلك السياسات التي تهدف إلى زيادة حجم الفطيرة دون اهتمام بمن تصل إليهم هذه الزيادات.
مؤشر البؤس المعكوس
يقدم الدكتور حسن يوسف مفهومًا جديدًا لتغيير السردية وتغيير الهدف الكمي للخطة، وهو "معدل البؤس المعكوس" أو "معدل الرفاهية البسيط". مؤشر البؤس الكلاسيكي طوره آرثر أوكون في السبعينيات، ويعرف بأنه مجموع معدل البطالة ومعدل التضخم. كلما ارتفع المؤشر، دل ذلك على تفاقم الضيق الاقتصادي. في الاقتصاد الأمريكي، تسعى الإدارة إلى إبقاء مؤشر البؤس في خانة الأرقام الأحادية، بينما تجاوزه عشرين يعني دخول الاقتصاد في حالة بؤس شديد.
تحويل مؤشر البؤس إلى مؤشر رفاهية
الفكرة المقترحة هي قلب الصورة: بدلاً من التركيز على كمية البؤس، نركز على مدى التخفيف من البؤس. إذا عبرنا عن مؤشر البؤس في صورة رقم من 0 إلى 100، يمكن تعريف مؤشر جديد: مؤشر الرفاهية المبسط = (100 – مؤشر البؤس التقليدي). بهذا التحويل، يتحول الرقم إلى مقياس بسيط لمدى الرفاهية: كلما انخفضت البطالة وتراجع التضخم، ارتفع المؤشر.
الفرق بين النمو والرفاهية
الاعتماد على معدل النمو فقط يعني التركيز على أن الفطيرة تكبر عامًا بعد عام. لكن السؤال الحاسم للمواطن البسيط ليس: "كم أصبح حجم الفطيرة؟" بل: "هل وصلتني قطعة أكبر وأكثر جودة؟". يمكن أن تزيد الفطيرة ويستحوذ على الزيادة عدد محدود من الأفراد، ويمكن أن يزيد الإنتاج بالتوازي مع ارتفاع شديد في الأسعار، فيتآكل الأجر الحقيقي للمواطن.
إذا كان النمو يعني زيادة حجم الفطيرة، فإن الرفاهية تعني شيئين معًا: أولاً، كيف توزع الفطيرة بين الناس؟ وثانيًا، إلى أي مدى تقل معاناة الناس من البطالة وغلاء المعيشة؟ مؤشر البؤس المعكوس يمسك مباشرة بالشق الثاني: فهو يقيس مدى نجاح السياسات في تقليل المعاناة اليومية المرتبطة بسوق العمل والأسعار. عندما ينخفض معدل البطالة ويهدأ التضخم، حتى لو كان معدل النمو متوسطًا، يشعر الناس بتحسن حقيقي.
مزايا المؤشر الجديد
أهم مزايا استخدام معدل البؤس المعكوس كمعدل رفاهة مبسط أنه يربط بين الاقتصاد الكلي وحياة الناس اليومية. لا يصبح السؤال "كم نما الناتج؟" بل "إلى أي مدى تراجعت معاناة الناس من البطالة والغلاء؟". هذا يدفع الحكومات إلى موازنة أهدافها: السياسة التي ترفع النمو لكنها ترفع التضخم بقوة أو لا تخلق وظائف كافية، ستظهر مباشرة في تراجع معدل الرفاهية المبسط. ويمكن للمجتمع أن يسأل الحكومة: لماذا تحسن النمو بينما لم يتحسن معدل الرفاهية؟ أو لماذا لا تنعكس المشروعات الكبرى على انخفاض البطالة واستقرار الأسعار؟
الخلاصة
ما لم تنتقل السردية الوطنية من الاكتفاء بتعظيم النمو إلى جعل تخفيف البؤس ورفع مستوى المعيشة هدفًا مركزيًا، ستظل فجوة الثقة قائمة بين أرقام التقارير الرسمية وما يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. يجب أن يكون التركيز على مؤشرات تعكس حقيقة ما يشعر به المواطن، مثل البطالة والتضخم، بدلاً من الاكتفاء بمعدل النمو الذي قد لا يترجم إلى تحسن ملموس في حياة الناس.



