عزيز صدقي من العالم الآخر: إغلاق المصانع كارثة والمجاملة تتحكم باختيار الوزراء
عزيز صدقي: إغلاق المصانع كارثة والمجاملة تتحكم باختيار الوزراء

في الليلة الظلماء يُفتقد البدر. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر، كان لا بد من الاسترشاد برأي رجل خاض ميدان العمل العام وحقق منجزات حقيقية على الأرض. الدكتور عزيز صدقي، رئيس وزراء مصر ووزير الصناعة الأسبق، المعروف بـ"أبو الصناعة المصرية"، يتحدث من العالم الآخر عن تجربته ورؤيته للأوضاع الحالية.

بداية المسيرة: من الهندسة إلى الوزارة

ولد عزيز صدقي عام 1920، وتخرج في قسم العمارة بكلية الهندسة جامعة القاهرة عام 1944. حصل على الماجستير من جامعة أورجون الأمريكية عام 1947، ثم من جامعة هارفارد عام 1949، ونال الدكتوراه في التخطيط الإقليمي والتصنيع من هارفارد عام 1950، وكان عنوان رسالته: "تصنيع مصر.. دراسة لإنشاء صناعة الحديد والصلب في مصر".

في عام 1956، اختاره الرئيس جمال عبد الناصر وزيرًا للصناعة، ليكون أول وزير صناعة مصري. يقول صدقي: "عبد الناصر كان يزورنا في مجلس الخدمات، وتحدث معي عن رسالة الدكتوراه، وأبدى إعجابه بها، وطلب لقائي في اليوم التالي وأخبرني باختياري وزيرًا للصناعة".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

برنامج طموح للصناعة

قدم صدقي برنامجًا متكاملًا للصناعة تضمن ميزانية إجمالية، وناقش مع الرئيس المدى الزمني والإمكانيات والمعوقات. يقول: "في نهاية المقابلة قال لي عبد الناصر: يا عزيز، لو نفذنا 40% من هذا البرنامج فقط، فسيكون إنجازًا عظيمًا". وافق مجلس الوزراء على الخطة، وخصص مبلغ 12 مليون جنيه كأول ميزانية للتصنيع.

شهدت الصناعة المصرية طفرة تأسيسية، حيث تم إدخال صناعات جديدة لأول مرة، مثل تجميع أول سيارة مصرية عام 1959. يقول صدقي: "عرضت على الرئيس عربتين: 'برج وورد' و'فيات'. اختار فيات لأنها كانت مناسبة للموظف الصغير، بسعر 700 جنيه، ووضعنا خطة لإنتاج 12 ألف سيارة".

الإنجازات في الحقبة الناصرية

توسعت مصر في الصناعات الحيوية مثل الحديد والصلب والصناعات الغذائية والهندسية. وروى صدقي قصة "الألف مصنع": "قال عبد الناصر في خطابه: عزيز صدقي بيقول إنه اتبنى ألف مصنع، وأنا أطلب منه ينشر بيانًا بالمصانع. وبالفعل نشرنا بيانًا بكل مصنع وتاريخه وتكاليفه، وتبين أنهم أكثر من ألف مصنع".

دور صدقي في حرب أكتوبر

كلفه الرئيس أنور السادات برئاسة الحكومة في مارس 1972، وشارك في اللجنة العليا للإعداد لحرب أكتوبر. يقول: "أسهمت القلعة الصناعية في توفير احتياجات الجيش، وتوفير مخزون استراتيجي يكفي البلاد أربعة أشهر".

استقالته من رئاسة الوزراء

بعد حرب أكتوبر، قدم صدقي استقالته. يقول: "رأيت أن دوري انتهى. دعوت مجلس الوزراء للاجتماع وعرضت استقالتي، وهي المرة الأولى في تاريخ مصر. الرئيس السادات رفض في البداية، ثم عرض علي مناصب أخرى رفضتها، لكني فوجئت بالصحف تنشر تعييني مساعدًا لرئيس الجمهورية".

وعن سبب تمسك السادات به: "ربما كان يخشى تساؤل الرأي العام عن سر استقالتي، فلجأ إلى تعييني مساعدًا. وعندما لم أذهب لمكتبي لمدة أسبوعين، نشروا شائعات مسيئة".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

رفض رئاسة الحكومة في عهد مبارك

في عام 1982، رشحه الرئيس حسني مبارك لرئاسة الحكومة، لكنه رفض. يقول: "فضلت الابتعاد عن الحياة السياسية والتفرغ لمكتبي الاستشاري".

انتقاد اختيار الوزراء

ينتقد صدقي طريقة اختيار الوزراء في مصر: "كثير من الاختيارات تشوبها المجاملة والعشوائية. الكفاءة العلمية لا تأتي في صدارة الضوابط. عدد محدود من الوزراء يحقق النجاح، ويتم إبعادهم، بينما يُحتفظ بالوزراء الضعفاء".

الزيادة السكانية: حجة البليد

يرفض صدقي تبرير الفشل بالزيادة السكانية: "هذه حجة البليد. أثناء حرب أكتوبر كانت السلع متوفرة والأسعار مضبوطة. دول كثيرة استغلت الزيادة السكانية سلاحًا للتنمية، مثل الصين".

واقع الصناعة المصرية اليوم

يصف صدقي واقع الصناعة الحالي: "نحن لم نبنِ المصانع لتغلقوها أو تبيعوها. إغلاق المصانع كارثة كبرى. التخلي عن التصنيع يعني القضاء على البنية الصناعية. الولايات المتحدة رغم تركيزها على القطاع الخاص إلا أنها متمسكة بدورها في تنسيق النمو الصناعي".

رسالة أخيرة

يختتم صدقي: "اعتمدوا على أنفسكم، اهتموا بالصناعة، توقفوا عن الاقتراض. افعلوا كما فعلنا قبل حرب أكتوبر. أدعو لمصر بأن تسترد عافيتها وقوتها".