قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" في تقرير لها إن كوريا الشمالية تبدو اليوم واحدة من أكثر قصص النجاح الاقتصادي إثارة للدهشة في العالم. فبفضل مبيعات الأسلحة إلى روسيا، والدعم التجاري والمالي القادم من الصين، وقدرتها على الالتفاف على العقوبات الدولية لاستيراد الطاقة والمواد والمكونات الأساسية، يشهد اقتصاد كوريا الشمالية نمواً لم يعرفه منذ سنوات.
طفرة بناء غير مسبوقة
أطلق الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون ما وصفته الصحيفة الأمريكية بـ"طفرة بناء واسعة" على مستوى البلاد. ففي العام الماضي، شيدت كوريا الشمالية 10 آلاف وحدة سكنية جديدة في العاصمة بيونج يانج، وهو عدد يفوق ما بُني في مدينتي لوس أنجلوس أو شيكاجو. وخلال مؤتمر حزب العمال الحاكم في كوريا الشمالية، الذي يُعقد مرتين كل عقد في فبراير، أشاد الزعيم البالغ من العمر 42 عاماً بالتحول الاقتصادي، معتبراً أنه تحقق رغم ما وصفه بـ"الحصار الهمجي" الناتج عن العقوبات الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة.
دعوات للاعتماد على الذات
دعا كيم مواطنيه إلى التركيز على بناء اقتصاد يعتمد على الذات. ولا تنشر كوريا الشمالية بيانات اقتصادية رسمية، كما تفرض رقابة صارمة على المعلومات وتتحكم بما يمكن للزوار مشاهدته. وتشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث في كوريا الجنوبية إلى أن التقدم الاقتصادي الذي تتحدث عنه بيونج يانج ليس مجرد "دعاية رسمية". فقد ارتفع النشاط في مرافق تخزين النفط الكورية الشمالية التي تشهد توسعات جديدة، كما ازدادت كثافة استخدام مواقف السيارات. وأظهر تقرير آخر أن كوريا الشمالية أصبحت أكثر إشراقاً ليلاً بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات.
دعم روسي وصيني
لم يتحقق الانتعاش الاقتصادي لكوريا الشمالية بمفردها. فقد عزز النظام إمدادات الطاقة ومواد البناء عبر إرسال ذخائر وأكثر من 15 ألف جندي إلى الجبهات الروسية في الحرب الأوكرانية. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث هؤلاء الجنود لقوا حتفهم أو أُصيبوا. وحققت مبيعات الأسلحة مليارات الدولارات لبيونج يانج، بحسب تقديرات معاهد استراتيجية للأمن القومي في سيول. كما بلغ حجم التجارة الشهرية مع الصين أعلى مستوى له في ثمانية أعوام، فيما تواصل علامات تجارية صينية متعددة ممارسة أعمالها داخل كوريا الشمالية رغم مخالفة ذلك للعقوبات الدولية. ويعتمد انتشار الأجهزة التقنية التي دعمت الاقتصاد الرقمي الناشئ في البلاد إلى حد كبير على المكونات الصينية.
قراصنة إلكترونيون وعلاقات دولية
يعمل العديد من القراصنة الإلكترونيين التابعين لنظام كوريا الشمالية من داخل الصين، حيث يتمتعون بحرية أكبر للوصول إلى الإنترنت. وحققت عمليات اختراق منصات العملات المشفرة وحدها مليارات الدولارات للنظام، وفقاً لتقديرات حكومات ومجموعات متخصصة في الأمن السيبراني. كما وسع كيم شبكة علاقاته الدولية، فشارك في عرض عسكري صيني للمرة الأولى الخريف الماضي إلى جانب أكثر من 20 زعيماً أجنبياً. وفي مارس، استضاف رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو في بيونج يانج، حيث وقع البلدان معاهدة صداقة جديدة. وقال لوكاشينكو: "نحن بحاجة إلى بعضنا".
النمو الاقتصادي والردع النووي
يرى محللون أن البرنامج النووي الكوري الشمالي وفر للنظام مظلة ردع ضد أي محاولة لإسقاطه بالقوة، ما أتاح له توجيه اهتمام أكبر إلى الاقتصاد. وتشير تقديرات البنك المركزي الكوري الجنوبي، الذي يعتمد في تقديراته على بيانات وكالات الاستخبارات، إلى أن اقتصاد كوريا الشمالية نما بنسبة 3.7% خلال عام 2024، وهو أسرع معدل نمو في ثمانية أعوام، فيما تتوقع مراكز أبحاث استمرار هذا الزخم.



