العبرة في إدارة الأزمات: كيف تحول التحديات إلى فرص للنجاح والاستقرار؟
لا شك أن الحياة تسير في مسار متغير، حيث تتحرك الكواكب ويتعايش الملكوت، لكن هذا المسار لا يخلو من الأزمات المتعددة. سواء كانت هذه الأزمات اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو جيوسياسية، فإنها قد تظهر على مستوى محلي، أو دولي، أو إقليمي. كما يمكن أن تكون الأزمة في حياة فرد، أو جماعة، أو شركة، أو مجتمع، أو دولة، أو حتى أزمات متعددة الأطراف تشمل عدة جهات في وقت واحد.
أنواع الأزمات وتأثيرها على المجتمعات
قد تكون هذه الأزمات من النوع البسيط، أو المتوسط، أو المعقد، أو المركب، وقد شاهدنا الكثير منها في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال، جائحة كورونا التي أثرت على العالم بأسره، وأزمة روسيا وأوكرانيا التي غيرت المشهد الجيوسياسي، وأزمة تهجير أهل غزة التي أثارت قضايا إنسانية عميقة. بالإضافة إلى ذلك، هناك أزمات تواجه دولًا مثل لبنان، العراق، فلسطين، ليبيا، اليمن، سوريا، والسودان، والتي تعكس تحديات داخلية وخارجية معقدة.
أخيرًا، نجد أزمات تواجه الأشقاء في دول الخليج، جراء الأحداث الأخيرة والمتواترة والحادة وغير المسبوقة. هذه الأزمات جاءت مسببة بشكل غير مباشر، منحصر في وجود قواعد أمريكية على أراضيهم، مما أقحمهم في أزمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهذا أيضًا وارد في عالم الأزمات والتحديات التي لا يمكن التنبؤ بها دائمًا.
الأزمات في العصر الرقمي: بين الحقيقة والاصطناع
قد نواجه ونرى ونتابع أيضًا، كل عشية ومساء، أزمة مصطنعة، أو حقيقية على صفحات السوشيال ميديا. سواء كانت تتعلق برجل الأعمال هذا، أو الفنان ذاك، أو السياسي المحنك فلان، أو الرجل المتعامل مع النظام المصرفي الائتماني، أو ذاك غير المتعامل. إنه عالم آخر من الأزمات التي يمكن أن تجد نفسك فيه، وفي منتصف الدائرة، وأنت لست صاحب الناقة، ولا الجمل لك.
هناك إعلام رقمي يسوق الموجة وراء الموجة، قيادة القطيع في شوارع الجهل والفراغ الفكري الشاسع. مما يجعل من الصعب تمييز الحقيقة من الخيال، ويزيد من تعقيد إدارة هذه الأزمات في ظل بيئة مشحونة بالمعلومات المضللة.
الاستعداد لمواجهة الأزمات: مفتاح النجاح
مما سبق، نتأكد ونثق ونتفق أن الأزمة واردة جدًا، وأن هذه هي عجلة الحياة. الدنيا تدور بنا وتتنقل بين محطات، وبين يوم حلو، وآخر مر. لكن الأفراد والشعوب والتجمعات الأكثر استعدادًا وقدرة على مواجهة تلك الأزمات والتحديات بشكل قوي، ولديها قدرة الامتصاص والصمود والتحول الذكي، هم هؤلاء الأفراد، أو تلك التجمعات القادرة على المواجهة والقفز من مربع السالب إلى مربع الموجب.
وهنا أود أن أشير إلى أن هذا لا يتأتى صدفة، أو دون بناء أو تكوين صلب وصلد. يجب أن نشير صراحة إلى أن الأزمة ذاتها ليست هي القضية أو المحور، وإنما المحور هو كيفية إدارة الأزمات بشكل عملي وعلمي وتطبيقي وثقافي وجماعي، وهذا ما نفتقده في كثير من الأحيان.
الفجوة بين التنظير والتطبيق في إدارة الأزمات
هناك جانب ومساحة شاسعة لدينا، ما بين التنظير والتطبيق. عشرات الدورات المتخصصة والخاصة في برامج إدارة الأزمات هنا وهناك، وكأنه مصطلح شهير مثل عدد من المصطلحات التي ترد إلى عالمنا لتأخذ الصدى والترند أيامًا معدودات، ثم تذهب أدراج الرياح. ويرجع هذا إلى أن تجذر ثقافة إدارة الأزمات، وعدم وضوح هذه العلوم في مناهجنا الدراسية، وفي برامجنا الإعلامية، مما يخلق داخل مجتمعاتنا شخصيات غير قادرة على فهم وتطبيق إدارة الأزمات.
ينتج عن ذلك بنيان مجتمعي هش، حيث تظهر ظاهرة الفرد صاحب أزمة واحدة بسيطة لا يستطيع إدارتها، فتتحول ذات الأزمة، وفي نفس اللحظة، إلى عدد من الأزمات المركبة. على سبيل المثال، المواطن عندما تكون لديه أزمة ودخل في نزاع قضائي، يذهب إلى أحد المحامين، وبعد مرور أيام بسيطة، يفتعل أزمة مع المحامي، فتصبح الأزمة أزمتين، وهكذا تتضاعف المشاكل.
أمثلة عملية على إدارة الأزمات
رجل أعمال لديه تسويات مع البنوك، وتحاك ضده أو له أخبار سوشيالية تسبب أزمة، فيدخل على الخط فريقه ومتابعوه والمنتفعون منه، فيزيدون الأزمة عدة أزمات. لكن لو استطاع إدارة الأزمة بالاستعانة بجهة محايدة ليست ذات مصلحة، وأوضح جوانب الأزمة، لانتهت وأغلقت تمامًا في وقت أقصر. العبرة ليست في الأزمة، لكن دوما العبرة في مواجهة وإدارة الأزمة بشكل علمي وإداري واحترافي.
الخلاصة: إدارة الأزمات كثقافة مجتمعية
خلاصة القول، إن الأزمات جزء أصيل من حركة الحياة، لا يمكن إنكاره أو تجنبه. لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرتنا على إدارتها بعقلانية ومهنية وتجرد. فالأزمة لا تهزم الأمم والمجتمعات والأفراد بذاتها، وإنما تهزمهم العشوائية والانفعال وغياب المنهج العلمي في التعامل معها.
لذا، تبقى إدارة الأزمات ثقافة يجب أن تُغرس في مناهجنا وتعليمنا وإعلامنا، ومهارة يجب أن يتقنها الفرد قبل المؤسسة. لأنها طوق النجاة الذي يحول التهديد إلى فرصة، والخسارة إلى درس، والانهيار إلى انطلاقة جديدة نحو الاستقرار والبناء. من خلال تبني هذه الثقافة، يمكننا تحويل التحديات إلى محركات للنمو والتطور في جميع جوانب الحياة.



