أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، أن استهداف المواقع الأثرية والثقافية أثناء الحروب والنزاعات المسلحة غالباً ما يكون عملاً متعمداً يهدف إلى طمس الهوية الوطنية ومحو الرواية التاريخية للشعوب، وهو ما يُعرف بمفهوم التطهير الثقافي أو الإبادة الثقافية.
استهداف التراث في النزاعات
أوضح ريحان في حوار خاص أن الحروب والنزاعات المسلحة تمثل أخطر التهديدات التي تواجه التراث الحضاري، حيث لا يقتصر أثرها على تدمير المباني والمواقع الأثرية فحسب، بل يمتد إلى محو الذاكرة الجماعية للشعوب واستهداف هويتها الوطنية. وأشار إلى أن التراث يصبح في كثير من الحالات هدفاً مباشراً ضمن استراتيجيات عسكرية تسعى لإضعاف المجتمعات وكسر إرادتها المعنوية.
آثار التدمير على الهوية
لفت ريحان إلى أن تدمير المواقع الأثرية يمثل محاولة مباشرة لمحو الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية، فهذه المواقع ليست مجرد مبانٍ حجرية بل سجل حي لمسيرة الحضارات. وأكد أن استهدافها يتجاوز التدمير المادي ليصل إلى إلغاء الذاكرة الجماعية وطمس الجذور الحضارية، مما يخلق فجوة بين الأجيال وتراثها الثقافي.
الخسائر المتعددة
تتنوع الخسائر الناتجة عن تدمير التراث بين أبعاد ثقافية وإنسانية واقتصادية. فعلى المستوى الثقافي يؤدي التدمير إلى فقدان أدلة تاريخية ومصادر معرفية لا تعوض، ويقطع مسار انتقال المعرفة بين الأجيال. أما على المستوى الإنساني فيخلف صدمات نفسية عميقة ويساهم في تفكيك الهوية الثقافية. اقتصادياً يشكل التراث ركيزة للسياحة في كثير من الدول، لذا يؤدي تدميره إلى تراجع الإيرادات وفقدان فرص العمل.
آليات الحماية الدولية
دعا ريحان الدول العربية إلى تعزيز التعاون لحماية التراث عبر تطبيق اتفاقية لاهاي لعام 1954، والتي تشمل إنشاء قواعد بيانات رقمية ونماذج ثلاثية الأبعاد للقطع الأثرية، وإنشاء مخابئ آمنة لحفظ القطع المعرضة للخطر، ووضع شعار مميز على الممتلكات الثقافية لتجنب قصفها. كما شدد على أهمية إعداد كوادر متخصصة داخل المؤسسات العسكرية لحماية الممتلكات الثقافية.
نظام الحماية المعززة
أوضح ريحان أن نظام الحماية المعززة الذي أقره البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي عام 1999 يمنح بعض المواقع التراثية حماية دولية إضافية بشرط عدم استخدامها لأغراض عسكرية، ويلزم أطراف النزاع بالامتناع عن استهداف تلك المواقع أو استخدام محيطها في العمليات العسكرية. وأكد أن الاعتداء على الممتلكات الثقافية يعد انتهاكاً خطيراً قد يرقى إلى جريمة حرب.
يذكر أن منظمات دولية وإقليمية مثل اليونسكو والألكسو والإيسيسكو تضطلع بدور أساسي في متابعة أوضاع التراث والتدخل لحمايته باعتباره جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة وركيزة للسلام والتنمية.



