في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وتزايد الأعباء على الموازنة العامة، يبرز ملف الدعم كأحد أهم الملفات الشائكة التي تواجه الحكومة المصرية. فمنذ عام 2012، ظل الجدل قائماً حول كيفية ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، دون إهدار للموارد أو تحميل للدولة أعباء إضافية غير ضرورية. وفي هذا السياق، يعود الدكتور حسن يوسف علي لطرح مشروعه الطموح: "مشروع الإفصاح الوطني"، كحل جذري لهذه المعضلة.
جذور الفكرة: مقترح قديم يجد صدى جديداً
في 20 ديسمبر 2012، نشر الدكتور حسن يوسف علي مقالاً في جريدة الأهرام تحت عنوان "حتى يصل الدعم إلى مستحقيه"، قدم فيه مقترحاً لمشروع أسماه "مشروع الإفصاح الوطني". كان الهدف الأساسي هو التحديد الدقيق للأشخاص المستحقين للدعم، سواء كان عينياً أو نقدياً. وقد تقدم الدكتور يوسف علي بمذكرة تفصيلية إلى صديقه الدكتور أشرف العربي، الذي كان قد عُين وزيراً للتخطيط آنذاك. وقد عرض الدكتور أشرف العربي المقترح على رئيس الوزراء في ذلك الوقت، لكنه قوبل بالرفض خوفاً من اتهام الحكومة بالمساس بالدعم في فترة ما قبل الانتخابات.
تصريحات حديثة تعيد إحياء النقاش
بعد مرور أكثر من عقد، عاد النقاش حول الدعم ليتصدر المشهد الاقتصادي مجدداً. ففي 30 أبريل الماضي، نشرت جريدة الجمهورية تصريحات هامة للدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية، حيث قال بوضوح: "في رأيي الشخصي أن الدعم سواء نقدي أو عيني لا يذهب للمستحقين حتى هذه اللحظة.. وأنا من أنصار الدعم النقدي. لكن بصرف النظر عن نوع الدعم فأن المشكلة تكمن في تحديد المستحقين". هذه التصريحات أعادت إلى الأذهان مقترح الدكتور يوسف علي القديم، وأكدت أن جوهر الأزمة لم يتغير: من هو المستحق للدعم؟
أرقام صادمة: 61 مليون مستفيد و200 مليار جنيه فاتورة سنوية
عندما نُشر المقال الأصلي عام 2012، كانت قاعدة بيانات بطاقات التموين تضم نحو 58 مليون مواطن، أي أكثر من 75% من السكان. واليوم، وبعد سنوات من محاولات التنقية، لا يزال عدد المستفيدين من دعم السلع التموينية والخبز ضخماً جداً، حيث يبلغ نحو 61 مليون مواطن مقيدين على حوالي 24 مليون بطاقة تموينية. وفي المقابل، تصل فاتورة الدعم السلعي إلى نحو 200 مليار جنيه سنوياً. هذه الأرقام تكشف أن أكثر من 60% من المجتمع تحت مظلة الدعم، بينما يعيش ملايين آخرون تحت خط الفقر الحقيقي ولا يجدون سبيلاً للوصول إلى هذه البطاقات. المنظومة الحالية تكافئ من وجد طريقاً قديماً إليها، وتستنزف موارد الدولة دون تحقيق العدالة الاجتماعية المرجوة.
مشروع الإفصاح الوطني: آلية مقترحة لتحديد المستحقين
يعتمد مشروع الإفصاح الوطني على فكرة بسيطة لكنها فعالة: أن يطلب من المواطنين الراغبين في الحصول على الدعم ملء استمارة بيانات رسمية توضح أوضاعهم المالية والاجتماعية والديموغرافية. هذه الاستمارة ستكون أساساً لبناء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة عن محدودي الدخل، مما يمكن الدولة من توجيه الدعم إلى من يستحقه حقاً. ويشير الدكتور يوسف علي إلى أن مثل هذه الأنظمة معمول بها في العديد من دول العالم، حيث يلتزم المواطن بتقديم معلوماته للحصول على المساعدة.
إمكانية التنفيذ: الموارد البشرية متاحة
يرد الدكتور يوسف علي على من يرى أن المشروع صعب التحقيق بسبب الحاجة إلى موارد كبيرة، مؤكداً أن مصر تمتلك القدرات اللازمة. ففي الماضي، تمكنت وزارة التنمية الإدارية من إنشاء جداول انتخابية للمصريين في الخارج، وهو ما كان يعتبر صعباً. وبالإضافة إلى ذلك، هناك وزارات التضامن الاجتماعي والتخطيط والتعاون الدولي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي يمكنها حشد أعداد كبيرة من الموظفين للمساعدة في جمع البيانات. كما يمكن الاستعانة بالخريجين الجدد من كليات التطبيقية مثل الهندسة والإدارة وعلوم الحاسب، باعتبار ذلك خدمة عامة. ويقدر الدكتور يوسف علي أن المشروع يمكن أن يكتمل في غضون ثلاثة إلى خمسة أشهر.
ضرورة حتمية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة
يؤكد الدكتور حسن يوسف علي أن تنفيذ مشروع الإفصاح الوطني اليوم ليس مجرد خيار ترفي، بل هو ضرورة تفرضها الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها البلاد، من تضخم متسارع، وتزايد أعباء الموازنة العامة، وتصاعد الدين العام. ففي ظل هذه المعطيات، لا تملك الدولة رفاهية إهدار جنيه واحد يذهب لغير مستحقيه. حماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي تبدأ من حماية الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما لن يتحقق دون بناء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة لمحدودي الدخل، تجيب عن أسئلة حاسمة: أين يقيمون؟ ما أعمارهم؟ ما دخلهم الفعلي؟ وما مستواهم التعليمي والمهني؟
الخطوة التالية: هيكل تنظيمي مقترح
يختتم الدكتور يوسف علي مقاله بالإشارة إلى أنه سيقوم في مقال الأسبوع القادم بتقديم هيكل تنظيمي مفصل لفريق الإفصاح الوطني، يعتمد على الموارد البشرية القائمة بالفعل دون تحميل الدولة أعباء مالية جديدة. ويبدو أن مشروع الإفصاح الوطني يقدم رؤية عملية لإنهاء الجدل الدائر حول آليات الدعم، سواء النقدي أو العيني، من خلال التركيز على القضية الجوهرية: تحديد المستحقين بدقة.



