عندما لا يحافظ عضو هيئة التدريس بالجامعة على كرامة وظيفته، وعندما لا ينأى عن ارتكاب أي أعمال تنال من هذه الكرامة تكون الكارثة بعينها. وعندما لا يلتزم عضو هيئة التدريس بالتمسك بالقيم والتقاليد الجامعية الأصيلة وترسيخها بنفوس الطلاب كقدوة ومثل أعلى لهم، هنا يجب محاسبته بالقانون وتوقيع العقاب عليه، لأنه عليه في الأصل أن يسلك سلوكًا يتسم بالتعفف والاستقامة والبعد عن مواطن الريبة والدنايا، لأن القائمين على تربية النشء يجب أن يكونوا فوق مستوى الشبهات والريب، وعليهم التحلي بأرفع الفضائل وأسماها، ولذلك عليهم الابتعاد عن كل ما يخرج عن السلوك القويم حتى يكونوا موضع ثقة واحترام طلابهم وذويهم ومن ثم تدق موازين الحساب لهم.
هذا ما سطره مجلس تأديب أعضاء هيئة التدريس بجامعة أسيوط في حيثياته برئاسة الدكتور أحمد عبد المولى، نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، والدكتور معمر حسن الأستاذ بكلية الحقوق، والمستشار محمد حسن أحمد حسين، وكيل مجلس الدولة، عند نظر الاتهامات الموجهة للدكتور أسامة إبراهيم عبد الله سلام، الأستاذ بقسم الآثار بكلية الآداب بالجامعة، إبان توليه منصب عميد المعهد العالي للسياحة والفنادق بكينج مريوط بالإسكندرية، حيث انحرف في سلوكه كما جاء بحيثيات حكم مجلس التأديب في واقعة مشيبة عندما كان عميدًا للمعهد، وأخل إخلالًا جسيمًا بالمقتضيات الواجبة للوظيفة العامة، وخالف القانون والتقاليد الجامعية الأصيلة بحضوره حفل توزيع شهادات تكريم على بعض الطلاب بأحد المراكز الوهمية التي تدعى (الأكاديمية المصرية الدولية للضيافة الجوية وعلوم الطيران)، حيث إن هذه الأكاديمية مدرجة ضمن القائمة السوداء للكيانات الوهمية المعلنة من قبل وزارة التعليم العالي، كما أن تخصصها غير المعترف به منافس لتخصص المعهد الذي يتولى عمادته.
تفاصيل المخالفة الأولى
لن ندخل في الأسباب التي جعلت هذا العميد يذهب لهذا المكان لتوزيع هذه الشهادات المزورة لإعطائها شرعية زائفة لمن سيتسلمها من الخريجين، وكأنها شهادات صحيحة ومعتمدة على غير الحقيقية، ومدى استفادته من ذلك. إلا أننا قمنا بنشر هذه الواقعة بعد أن حققت فيها وزارة التعليم العالي بنفسها، وطلب القائمون على المعهد من هذا العميد تقديم استقالته من العمادة بعد أن كان قد صدر له قرار وزاري بالتجديد لعام آخر قبل هذه الواقعة بشهر. وبناء عليه، طلب وزير التعليم العالي من رئيس جامعة أسيوط التابع لها هذا العميد المستقيل إحالته إلى مجلس التأديب للتحقيق معه فيما اقترفه من جرم في حق العملية التعليمية. وبعد أن نشرنا هذه الواقعة بكل تفاصيلها بصفحة "هنا الجامعة" بأخبار اليوم مدعمة بالمستندات، قرر السيد العميد تقديم شكوى في كاتب هذه السطور أمام النيابة العامة عندما نشر تفاصيل هذه الواقعة وتوابعها كنوع من الإرهاب لنا، متهمًا كاتب السطور بنشر معلومات غير صحيحة، ومتهمًا إياه أيضًا بارتكاب جريمة السب والقذف، محاولًا أن يظهر أمام زملائه وكل من يعرفه أنه سيعمل على سجن العبد لله مادام قد تجرأ وكتب عن سيادته بهذه الصورة.
فعل هذا العميد المقال فعلًا والمستقيل شكلًا، دون أن يدرك أن العبد لله لم ولن يسكت في يوم من الأيام عن كشف أي انحراف لأي مسؤول مهما كانت مكانته، ومهما كانت النتائج المترتبة على النشر وذلك حتى آخر يوم في عمري ما دام ذلك بهدف الإصلاح وللمصلحة العامة ومن أجل مقاومة أي انحراف، وما دامت تحت يدي المستندات الدالة على هذا الجرم. وبالفعل ذهبت إلى النيابة العامة عند استدعائي وقدمت كل المستندات التي تحت يدي التي تؤكد صحة كل ما نشرته عن العميد المقال فعلًا والمستقيل شكلًا، وتم حفظ الموضوع بعد أن قدمنا للنيابة العامة نص التحقيقات التي قام بها مجلس التأديب المحال إليه العميد المذكور ونص قرار الإدانة وهي عقوبة "التنبيه" بعد أن رأفت به المحكمة ممثلة في مجلس تأديب الأساتذة. وكتبت في حيثيات الحكم: "لما كان الثابت من المستندات المرفقة وباعتراف المحال أنه حضر فعلًا هذه المناسبة، فمن ثم تكون المخالفة ثابتة في حقه بما يستوجب مساءلته تأديبيًا عليها، ولا ينال مما تقدم ما يتمسك به المحال من أن إدراج هذه الأكاديمية ضمن القائمة السوداء بقرار من وزير التعليم العالي جاء لاحقًا لحضوره المناسبة المذكورة، حيث إن ذلك مردود عليه، كما قال مجلس التأديب في حيثيات حكمه، بأنه كان يتعين عليه وهو يشغل منصب عميد المعهد في هذه الفترة أن يتحرى الدقة وأن ينأى بنفسه عن مواطن الشبهات لمثل هذه الكيانات الوهمية، وأنه بحكم منصبه كعميد للمعهد في هذه الفترة يفترض علمه بأي مناسبة أو احتفالية يدعى إليها، لا سيما وأن المقرر أن عضو هيئة التدريس لا تقاس أفعاله أو تصرفاته بمعيار الشخص العادي وإنما توزن تصرفات أعضاء هيئة التدريس على أساس أرقى قواعد السلوك وفق قضاء المحكمة الإدارية العليا.
الإحالة لمجلسين آخرين
الغريب أن الدكتور أسامة إبراهيم هذا أحيل أيضًا إلى مجلسين آخرين للتأديب بجامعته بعد التحقيق معه بناء على طلب وزير التعليم العالي في اتهامات أخرى موجهة إليه. الأول: أنه إبان توليه عمادة نفس المعهد العالي للسياحة والفنادق بكينج مريوط سمح للدكتورة سهام عبد النبي بالسفر خارج البلاد للتدريس بإحدى الجامعات دون موافقة جهة عملها صراحة عن طريق الندب أو الإعارة، والاكتفاء بتقديم إجازة خاصة، وكذا جمعها بين وظيفتين في ذات الوقت بصفتها معينة في وظيفة مدرس بالمعهد وفي وظيفة إدارية بجامعة المنيا في ذات التوقيت، وقيامه بالتدليس والغش حيال الأوراق المرسلة منه إلى المجلس الأعلى للجامعات والمتضمنة ترقية السيدة الدكتورة سهام عبد النبي في وظيفة أستاذ مساعد وإعطائها تقييم أنشطة بالرغم من عدم وجودها على رأس العمل بالمعهد منذ عام 2017 وحتى تاريخ زيارة لجنة وزارة التعليم العالي التي اكتشفت هذه المخالفة، ولم يسند لها جدول دراسي منذ عام 2017.
أما القضية الثانية المحال إليها الدكتور أسامة إبراهيم إلى مجلس التأديب أيضًا، فهي أنه قام أثناء شغله منصب عميد المعهد العالي للسياحة والفنادق بكينج مريوط بإخلاء طرف الدكتور أسامة ممتاز من المعهد دون انتظار موافقة وزارة التعليم العالي على ندبه إلى المعهد العالي للسياحة والفنادق بالغردقة. وما زالت التحقيقات مستمرة مع الدكتور أسامة إبراهيم في كلا المجلسين للتأديب حتى الآن، وسوف يصدر فيهما قريبًا القرار الذي سيراه مجلس التأديب في كل واقعة، ونحن في الانتظار حتى ننشره أيضًا.



