الحضانة والرؤية في قانون الأسرة الجديد: إعادة ترتيب مكانة الأب واستحداث نظام الاستزارة
الحضانة والرؤية في قانون الأسرة الجديد: إعادة ترتيب الأب والاستزارة

لم تعد مناقشات قانون الأسرة الجديد تدور فقط حول إجراءات الطلاق أو ترتيب الحضانة، بل تحولت إلى نقاش مجتمعي واسع حول مستقبل الأسرة المصرية وكيفية حماية الأطفال من آثار التفكك الأسري. فمع تصاعد معدلات الطلاق خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الحاجة ملحة إلى تشريع يعالج جذور الأزمة، لا أن يكتفي بتنظيم ما بعد الانفصال، وهو ما حاول مشروع القانون الجديد الاقتراب منه عبر إعادة ترتيب أولويات الحضانة وتنظيم الرؤية والنفقة، بما يضع مصلحة الطفل في المقدمة.

أثار مشروع القانون حالة واسعة من الجدل بعد استجابته لمطالبات كثيرة بإعطاء الأب وضعاً متقدماً في ترتيب الحضانة، ليأتي مباشرة بعد الأم، إلى جانب النص على إسقاط حق الرؤية مؤقتاً عن الأب الممتنع عن سداد النفقة دون عذر مقبول. انقسمت الآراء حول هذه المواد بين من يعتبرها حماية لحقوق الطفل وضماناً لتنفيذ الأحكام القضائية، ومن يرى أنها قد تزيد حدة الصراع بين الأبوين وتنعكس نفسياً على الأبناء.

تعريف الحضانة وترتيب المستحقين

ينطلق مشروع القانون من تعريف واضح للحضانة، باعتبارها حفظ الطفل وتربيته وضمان رعايته والقيام على شؤونه إلى سن محددة قانوناً، مع ترتيب مستحقي الحضانة بدءاً من الأم، ثم الأب، ثم الأقارب من النساء وفق تسلسل تفصيلي يراعي صلة القرابة ومصلحة الطفل. منح المشروع المحكمة سلطة عدم الالتزام بهذا الترتيب إذا رأت أن مصلحة المحضون تقتضي خلاف ذلك، مما يعكس توجهاً يمنح القاضي مساحة أوسع لتقدير الظروف الإنسانية والاجتماعية لكل حالة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

نص المشروع على أنه في حال عدم وجود من تتوافر فيه شروط الحضانة من الأقارب، أو عدم قبولهم بها، يكون للمحكمة الحق في إيداع الطفل لدى جهة مأمونة أو شخص موثوق به، بما يضمن عدم ترك الطفل دون رعاية أو حماية قانونية. وضع القانون شروطاً واضحة للحاضن، تشمل العقل والبلوغ والأمانة والقدرة على التربية والرعاية، وألا يكون مصاباً بمرض معدٍ أو يقيم مع الطفل شخص توجد بينه وبين المحضون خصومة أو عداوة قد تؤثر على سلامته النفسية.

سن انتهاء الحضانة وحق الطفل في الاختيار

حدد مشروع القانون سن انتهاء الحضانة عند الخامسة عشرة، على أن يكون للطفل بعد ذلك الحق في اختيار الإقامة مع من يريد من والديه أو من كان له الحق في حضانته، مع إمكانية تغيير هذا الاختيار لاحقاً حتى بلوغه سن الرشد أو زواج الفتاة. يهدف هذا النص إلى منح الطفل مساحة من الحرية في تحديد البيئة الأسرية التي يشعر فيها بالأمان والاستقرار النفسي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تنفيذ أحكام الرؤية والرؤية الإلكترونية

اتجه المشروع إلى تشديد الإجراءات لضمان احترام الأحكام القضائية فيما يتعلق بتنفيذ الرؤية، حيث نص على نقل الحضانة مؤقتاً إذا امتنع الحاضن عن تنفيذ حكم الرؤية دون عذر مقبول، وذلك لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، مع إمكانية إسقاط الحضانة نهائياً حال تكرار الامتناع. في المقابل، نص القانون أيضاً على إسقاط حق الرؤية عن الطرف الملزم بالنفقة إذا امتنع عن سدادها دون مبرر، حتى يلتزم بأداء ما عليه من مستحقات.

أدخل المشروع مفهوم "الرؤية الإلكترونية"، مما يسمح بتنظيم التواصل بين الطفل والطرف غير الحاضن عبر الوسائل الرقمية، سواء بشكل دائم أو بالتناوب مع الرؤية المباشرة، خصوصاً في الحالات التي تحول فيها المسافات أو ظروف السفر دون اللقاء المباشر بصورة منتظمة. ألزم المشروع بأن تكون مدة الرؤية، سواء المباشرة أو الإلكترونية، لا تقل عن ثلاث ساعات أسبوعياً، مع مراعاة سن الطفل وحالته الصحية وظروفه الدراسية.

نظام الاستزارة الجديد

استحدث مشروع قانون الأسرة نظام "الاستزارة"، الذي يتيح للطرف غير الحاضن اصطحاب الطفل لفترة محددة ثم إعادته، مع جواز المبيت. يثبت هذا الحق للوالدين ثم للأجداد حال عدم طلبه. حدد القانون ضوابط للاستزارة، بحيث لا تطبق على الطفل أقل من خمس سنوات إلا باتفاق الطرفين ومراعاة حالته الصحية، كما تتراوح مدتها بين 8 و12 ساعة شهرياً، مع إمكانية مبيت المحضون من يومين إلى 4 أيام شهرياً وبحد أقصى 30 يوماً سنوياً، مع التأكيد على أن أحكام الاستزارة لا تنفذ جبراً بواسطة السلطات العامة.

آراء النواب حول مشروع القانون

أكد النائب ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل الديمقراطي، أن مشروع قانون الأسرة يمثل واحداً من أخطر وأهم التشريعات الاجتماعية التي يناقشها المجتمع المصري، لأنه لا يقتصر على تنظيم العلاقة بين الزوج والزوجة بعد الانفصال، وإنما يرتبط بشكل مباشر بمستقبل الأسرة المصرية واستقرار المجتمع وحماية الأجيال الجديدة من آثار التفكك الأسري. أوضح الشهابي أن ارتفاع معدلات الطلاق خلال السنوات الأخيرة، وما يترتب عليه من أزمات نفسية واجتماعية يعيشها الأطفال، يؤكد أن المجتمع بات في حاجة إلى رؤية شاملة لقانون الأسرة، لا تقتصر على الجوانب القانونية والإجرائية فقط، وإنما تمتد لمعالجة الأسباب الحقيقية لانهيار العلاقات الزوجية، وعلى رأسها غياب التأهيل الحقيقي قبل الزواج، وضعف الثقافة الأسرية، وتراجع قيم المسؤولية المشتركة.

أضاف أن أخطر ما ينتج عن التفكك الأسري هو أن الأبناء يتحولون إلى الضحية الأولى للخلافات، حيث ينشأ كثير منهم في أجواء يسودها الصراع والحرمان العاطفي وفقدان الشعور بالاستقرار، وهو ما ينعكس لاحقاً على سلوكهم وتكوينهم النفسي والاجتماعي، مؤكداً أن حماية الطفل يجب أن تكون الهدف الأساسي لأي تشريع جديد. شدد الشهابي على أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الأعلى الذي تبنى عليه جميع مواد القانون، بحيث لا يتحول الأبناء إلى وسيلة ضغط أو انتقام بين الأبوين، ولا يحرم الطفل من حقه الطبيعي في وجود الأب والأم معاً في حياته حتى بعد الانفصال.

من أبرز المقترحات التي طرحها، الدعوة إلى الانتقال من نظام "الرؤية التقليدية" إلى نظام "المعايشة الأسرية"، موضحاً أن النظام الحالي لم يعد مناسباً لاحتياجات الطفل النفسية والإنسانية، لأنه يحول العلاقة مع أحد الوالدين إلى لقاءات محدودة وجافة لا تكفي لبناء الروابط الطبيعية، أو الحفاظ على التوازن النفسي والعاطفي للأبناء. أشار إلى أن "المعايشة الأسرية" تقوم على قضاء الطفل يوماً أو يومين أسبوعياً مع الطرف غير الحاضن، بما يسمح بمشاركته الحقيقية في تفاصيل حياته اليومية، ويمنحه شعوراً طبيعياً باستمرار وجود الأب والأم في حياته، رغم انتهاء العلاقة الزوجية بينهما.