العاصمة تستعيد ملامحها.. مشروع ضخم يعيد الحياة لقلب القاهرة
تمضي الدولة بخطوات متسارعة نحو استعادة الوجه الحضاري والتاريخي للقاهرة، من خلال تنفيذ مشروع متكامل لإحياء منطقة سور مجرى العيون ومحيط السيدة عائشة والسيدة نفيسة، في إطار المخطط الاستراتيجي لتطوير القاهرة التاريخية وتحويلها إلى متحف مفتوح يعكس عراقة العاصمة المصرية وتاريخها الممتد عبر قرون طويلة.
ويعد مشروع تطوير سور مجرى العيون أحد أكبر مشروعات الحفاظ على التراث العمراني والأثري في السنوات الأخيرة، حيث يستهدف إزالة مظاهر العشوائية والتعديات التي أحاطت بالأثر لعقود، وإعادة دمجه ضمن خريطة المزارات السياحية والثقافية في القاهرة، بما يعزز مكانة المدينة كواحدة من أهم المقاصد التراثية في العالم.
سور مجرى العيون.. شاهد على تاريخ القاهرة
يمثل سور مجرى العيون واحدًا من أبرز الآثار الإسلامية في مصر، إذ أنشئ لنقل المياه من نهر النيل إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي عبر مسار هندسي ومعماري فريد، وظل لقرون طويلة شاهداً على تطور العمارة الإسلامية وقدرة المصريين على تنفيذ مشروعات هندسية ضخمة تخدم احتياجات المدن.
وعلى مدار سنوات طويلة، تعرض السور لموجات من الإهمال والتعديات العمرانية التي أثرت على قيمته التاريخية والبصرية، الأمر الذي دفع الدولة إلى إطلاق خطة شاملة لإعادة تأهيل المنطقة والحفاظ على هذا الأثر الفريد باعتباره جزءًا أصيلًا من هوية القاهرة التاريخية.
أعمال ترميم دقيقة لإعادة الأثر إلى رونقه
تشهد المنطقة حالياً تنفيذ أعمال ترميم موسعة تعتمد على أسس علمية متخصصة للحفاظ على المكونات الأصلية للأثر، حيث تشمل الأعمال إعادة ترميم الأجزاء المفقودة من جسم السور ومعالجة الأحجار المتضررة وتنظيف الواجهات الحجرية من الأتربة والترسبات المتراكمة عبر سنوات طويلة.
كما تتضمن أعمال التطوير إعادة فتح العيون التاريخية التي تعرض عدد منها للإغلاق نتيجة تعديات سابقة، خاصة في المناطق القريبة من المدافن، بما يساهم في استعادة الشكل المعماري الأصلي للسور وإبراز تفاصيله التاريخية التي اختفت خلف العشوائيات ومخلفات البناء.
وتعمل الجهات المنفذة كذلك على رفع أطنان من مخلفات الهدم والقمامة والمواد المتراكمة حول الأثر، والتي كانت تشوه المشهد الحضاري وتعيق الاستفادة السياحية والثقافية من المنطقة، وذلك ضمن خطة متكاملة لإعادة تأهيل البيئة المحيطة بالكامل.
حرم آمن لحماية الأثر من التعديات
ضمن جهود الحفاظ على سور مجرى العيون وضمان عدم تعرضه لأي تعديات مستقبلية، نفذت محافظة القاهرة أعمال إزالة لعدد من العقارات والمنشآت العشوائية المحيطة بالأثر، بهدف إنشاء حرم آمن يحيط بالسور بمسافة لا تقل عن 20 متراً.
ويهدف هذا الإجراء إلى حماية القيمة الأثرية للسور ومنع أي أنشطة أو إنشاءات قد تؤثر على سلامته الإنشائية أو تحجب رؤيته، فضلاً عن توفير مساحات تسمح للزائرين والسائحين بالاستمتاع بالمشهد التاريخي بشكل كامل.
كما تم استبدال الأرصفة القديمة بأخرى حديثة تعتمد على الرخام والأحجار الطبيعية المتوافقة مع الطابع التاريخي للمنطقة، بما يسهم في خلق بيئة عمرانية متجانسة تعكس الهوية البصرية للقاهرة التاريخية.
إنارة حديثة ومسارات حضارية جديدة
لا يقتصر مشروع التطوير على أعمال الترميم فقط، بل يشمل إنشاء منظومة متكاملة للإنارة تم تصميمها خصيصاً لإبراز التفاصيل المعمارية والجمالية لسور مجرى العيون خلال ساعات الليل.
وتسعى هذه المنظومة إلى تحويل المنطقة إلى مقصد سياحي جذاب على مدار اليوم، من خلال إظهار العناصر المعمارية والزخرفية للأثر بصورة أكثر وضوحاً، بما يضفي بعداً جمالياً جديداً على المشهد العام.
كما تتضمن خطة التطوير إعادة تنظيم الحركة المرورية والمشاة، وتوفير مسارات حضارية تسهل انتقال الزائرين بين المناطق الأثرية المختلفة في محيط القلعة والسيدة عائشة والسيدة نفيسة، بما يدعم تجربة سياحية متكاملة.
إزالة كوبري السيدة عائشة وتطوير شامل للميدان
في إطار إعادة تشكيل المشهد العمراني للمنطقة، انتهت محافظة القاهرة من إزالة كوبري السيدة عائشة، أحد أبرز المشروعات المرتبطة بخطة التطوير الشاملة، حيث يجري حالياً تنفيذ تعديلات مرورية واسعة بالميدان والمناطق المحيطة.
وتشمل الأعمال إنشاء طرق جديدة وتطوير المحاور المرورية وزراعة الأشجار والمسطحات الخضراء، إلى جانب استحداث حدائق وجزر وسطى تضيف بعداً جمالياً للمنطقة وتوفر متنفساً حضارياً للسكان والزائرين.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على التراث التاريخي وتطوير البنية التحتية والخدمات، بما يواكب متطلبات التنمية الحديثة دون المساس بالقيمة الأثرية للمكان.
القاهرة التاريخية على خريطة السياحة العالمية
وأكد الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أن الأعمال الجارية تستهدف تحويل منطقة السيدة عائشة إلى منطقة سياحية متكاملة تربط بين مجمع الأديان وسور مجرى العيون ومناطق مساجد آل البيت، بما يخلق مساراً سياحياً جديداً يضم مجموعة من أهم المعالم التاريخية والدينية في العاصمة.
وأشار المحافظ إلى أن المخطط الشامل يهدف إلى تحويل محيط القلعة إلى متحف مفتوح يضم عدداً كبيراً من الآثار الإسلامية والتاريخية، مع إزالة كافة مظاهر العشوائية والتشوهات البصرية التي أثرت على المنطقة لعقود طويلة.
وأوضح أن المحافظة تدرس بالتنسيق مع الجهات المعنية إنشاء لوحات إرشادية وتعريفية تحكي تاريخ المنطقة وأهم معالمها الأثرية، بما يساعد الزائرين على التعرف على القيمة التاريخية للمكان ويعزز من التجربة السياحية والثقافية.
رؤية جديدة للعاصمة المصرية
يمثل مشروع تطوير سور مجرى العيون ومحيط السيدة عائشة نموذجاً واضحاً لجهود الدولة في استعادة المناطق التاريخية وإعادة توظيفها بما يخدم التنمية السياحية والثقافية والاقتصادية. فالمشروع لا يقتصر على ترميم أثر تاريخي فحسب، بل يهدف إلى إعادة صياغة المشهد الحضاري للقاهرة وربط مواقعها التراثية ضمن شبكة متكاملة من المزارات والمسارات السياحية.
ومع استمرار أعمال التطوير ورفع الكفاءة، تقترب القاهرة من تحقيق رؤية طموحة تجعل من أحيائها التاريخية متحفاً مفتوحاً يعكس عظمة الحضارة المصرية ويعيد تقديم العاصمة للعالم باعتبارها واحدة من أغنى المدن بالتراث الإنساني والتاريخي.
من جانبه، قال الدكتور الحسين حسان، خبير التنمية المحلية، إن مشروع تطوير سور مجرى العيون ومحيط السيدة عائشة يعد من أهم مشروعات إحياء القاهرة التاريخية، إذ لا يقتصر على ترميم الأثر فقط، بل يستهدف إعادة توظيف المنطقة سياحيًا واقتصاديًا وتحسين جودة الحياة للسكان.
وأضاف حسان، في تصريحات لـ "صدى البلد"، أن إزالة التعديات وتطوير البنية التحتية وإنشاء مسارات تربط بين سور مجرى العيون والقلعة ومناطق آل البيت من شأنه تعزيز مكانة القاهرة على خريطة السياحة العالمية، مؤكدًا أن المشروع سيسهم في جذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل جديدة مع الحفاظ على الهوية التراثية للمنطقة.



