على هاشم يكتب: لماذا سنغافورة؟
هناك قاعدة ذهبية لا تقبل الجدل تقول إن الدول لا تُبنى بالمجاملات، ولا تنهض بالمحاصصات، ولا تصنع مستقبلها بالشعارات والخطب الرنانة. فالتنمية ليست أمنية تُرفع في المناسبات، ولا لافتة تُعلق على الجدران، وإنما هي منظومة من القيم والقرارات والسياسات التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وحين نتأمل تجربة سنغافورة، لا ننظر إلى دولة كبيرة المساحة أو غنية بالثروات الطبيعية، بل إلى جزيرة صغيرة كانت في ستينيات القرن الماضي تعاني الفقر والبطالة والانقسامات العرقية وغياب الموارد. لم يكن لديها نفط ولا غاز ولا أراضٍ زراعية شاسعة، لكنها امتلكت شيئًا أثمن من ذلك كله: إرادة تؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن الكفاءة أهم من القرابة، وأن القانون يجب أن يعلو على الجميع.
كان السؤال الذي طرحه مؤسس نهضة سنغافورة، لي كوان يو، بسيطًا في صياغته عظيمًا في أثره: كيف نصنع دولة تكرم الكفاءة أكثر مما تكرم العلاقات؟ ومن هنا بدأت الرحلة. لم يكن العلاج بالشعارات، بل بالإصلاح الحقيقي. رُبط التعليم باحتياجات سوق العمل، وأصبحت الوظائف والترقيات للأقدر لا للأقرب، وحورب الفساد بلا استثناءات ولا حصانات، ووُضعت خطط واضحة تُقاس بالنتائج والأرقام لا بالكلمات والوعود.
وكانت النتيجة أن تحولت سنغافورة خلال عقود قليلة من دولة كان أبناؤها يبحثون عن فرصة للهجرة منها إلى واحدة من أكثر دول العالم جذبًا للاستثمارات والكفاءات البشرية. لكن السؤال المؤلم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق: لماذا تخلفنا وتقدمت سنغافورة؟ هل المشكلة في الموارد؟ الواقع يقول لا. فالكثير من الدول النامية تمتلك من الثروات الطبيعية أضعاف ما تمتلكه سنغافورة. هل المشكلة في الموقع؟ ليس بالضرورة، فهناك دول تتمتع بمواقع استراتيجية استثنائية لكنها لم تستطع تحويل تلك الميزة إلى نهضة حقيقية.
المشكلة في الغالب تكمن في مجموعة من القواعد الذهبية التي ما زلنا نعاني نقصها أو ضعف تطبيقها:
أولاً: تقديم الكفاءة على العلاقات الشخصية
فالدولة التي تُدار بالعلاقات لا تستطيع منافسة دولة تُدار بالخبرات.
ثانياً: سيادة القانون على الجميع بلا استثناء
لأن العدالة الانتقائية تقتل الثقة وتضعف الانتماء.
ثالثاً: محاربة الفساد باعتباره عدوًا للتنمية
لا مجرد مخالفة إدارية، فكل جنيه يُهدر بالفساد يُنتزع من التعليم والصحة والاستثمار.
رابعاً: الاستثمار في الإنسان قبل الحجر
لأن المصانع والطرق والمباني لا تصنع نهضة إذا غاب عنها العقل المؤهل والإدارة الكفؤة.
خامساً: ربط التعليم بالإنتاج
حتى لا تتحول الجامعات إلى مصانع للشهادات بدلًا من أن تكون مصانع للكفاءات.
سادساً: وجود رؤية وطنية طويلة المدى
تتجاوز الأشخاص والحكومات، بحيث تستمر المشروعات والسياسات وفق أهداف واضحة لا وفق الأهواء والتغيرات المؤقتة.
إن نهضة الدول ليست معجزة، بل نتيجة طبيعية لأسباب واضحة. فحين يُكافأ المجتهد، ويُحاسب المقصر، ويُحترم القانون، وتُدار الموارد بكفاءة، تبدأ عجلة التقدم في الدوران مهما كانت التحديات.
ولذلك فإن الدرس الحقيقي من سنغافورة ليس أن نقلدها حرفيًا، فلكل دولة ظروفها وتاريخها وخصوصيتها، وإنما أن نتعلم منها المبادئ التي صنعت نجاحها. فالقوانين التي تحكم نهضة الأمم واحدة تقريبًا في كل زمان ومكان: عدالة، وكفاءة، وانضباط، وشفافية، وتعليم، وعمل.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق كل مجتمع يسعى إلى التقدم: هل نملك الشجاعة الكافية لمواجهة أخطائنا وإصلاحها؟ أم سنظل نكرر الأسباب نفسها التي أنتجت التعثر، ثم نتساءل كل يوم: لماذا يتقدم الآخرون بينما نبقى في المكان نفسه؟ فالمستقبل لا ينتظر المترددين، والتاريخ لا يخلد أصحاب الأعذار، وإنما يكتب أسماء الذين امتلكوا الشجاعة ليغيروا واقعهم قبل أن يطالبوا الزمن بتغييره.
ما شدني خلال زيارتي لسنغافورة نظافتها وأناقتها وانضباطها وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز. بلد يستحق الإشادة والإعجاب حقًا.



