تنعقد قمة مجموعة السبع لعام 2026 في فرنسا في لحظة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، وسط نظام دولي يواجه أزمات متداخلة تشمل الحرب في أوكرانيا، والتصعيد في الشرق الأوسط، وتوترات التجارة العالمية، وتنامي المنافسة الاستراتيجية مع الصين. وتأتي القمة في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى تماسك المجموعة وقدرتها على صياغة موقف موحد، في ظل تباينات متصاعدة بين واشنطن وشركائها الأوروبيين، خاصة مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى نهج أكثر تصادمية في ملفات التجارة والدبلوماسية، بحسب تحليل نشره موقع «Modern Diplomacy» المتخصص في السياسة الدولية. وفي هذه المرة، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصر وبعض الدول للمشاركة في قمة مجموعة السبع، وذلك بسبب الأزمات الإقليمية والدولية الأكثر إلحاحًا خلال الفترة الحالية.
ترامب والتجارة يعيدان توتر العلاقات داخل الغرب
قبل وصوله إلى فرنسا، صعد ترامب التوترات مع الحلفاء الأوروبيين عبر تهديدات بفرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات فرنسية، في حال لم تلغ باريس ضريبتها الرقمية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى. ويعكس هذا التصعيد استمرار الخلافات داخل مجموعة السبع حول قواعد التجارة العالمية، إذ ترى الولايات المتحدة أن الضرائب الرقمية تستهدف شركاتها بشكل غير عادل، بينما تعتبرها الدول الأوروبية جزءًا من سيادتها التنظيمية. ويرى مراقبون أن هذا النزاع قد يحد من قدرة القمة على التركيز على الملفات الجيوسياسية الأكثر إلحاحًا، رغم تزايد الحاجة إلى تنسيق المواقف بين الدول الصناعية الكبرى.
اتفاق إيران يعيد تشكيل جدول الأعمال
أدى الإعلان عن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعادة ترتيب أولويات القمة، بعدما كانت المخاوف من التصعيد الإقليمي وأمن الطاقة تتصدر النقاشات، ومع التحول الجديد، من المتوقع أن تركز المداولات على آليات التنفيذ والتحقق، إضافة إلى مستقبل العقوبات والترتيبات الأمنية الإقليمية. كما يطرح الاتفاق أسئلة حول انعكاساته المحتملة على أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ما يتعلق بممرات الشحن الحيوية مثل مضيق هرمز، وما قد ينتج عنه من تهدئة للضغوط التضخمية، ومع ذلك، لا تزال قضايا جوهرية قائمة، من بينها مستقبل البرنامج النووي الإيراني وضمانات الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
أوكرانيا بين الأولويات المتنافسة
ورغم استمرار الحرب في أوكرانيا كملف محوري بالنسبة للغرب، إلا أن الاهتمام الدبلوماسي بات أكثر تشتتًا مع بروز ملفات الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، ومن المتوقع أن يسعى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى تثبيت مستويات الدعم العسكري والمالي من خلال لقاءاته مع قادة المجموعة، في وقت تخشى فيه كييف من تراجع الزخم الدولي مع امتداد أمد الحرب.
صراع استراتيجي طويل الأمد مع الصين
إلى جانب الملفات الأمنية، تبرز قضية تقليل الاعتماد على الصين في المعادن الحيوية كأحد أهم المحاور الاستراتيجية للقمة، وتكتسب هذه المعادن أهمية متزايدة لارتباطها بصناعات التكنولوجيا المتقدمة والدفاع والطاقة النظيفة وأشباه الموصلات، ما دفع الدول الغربية إلى اعتبار تأمين سلاسل الإمداد مسألة أمن قومي. لكن الخلافات لا تزال قائمة داخل مجموعة السبع حول مدى التدخل الحكومي في دعم الإنتاج المحلي وإعادة هيكلة سلاسل التوريد، في ظل مخاوف من التأثير على تنافسية الأسواق.
ماكرون في لحظة سياسية حاسمة
وتحمل القمة أهمية خاصة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يسعى إلى تعزيز موقع فرنسا كوسيط داخل التوازنات الغربية، ودفع النقاشات نحو مزيد من التنسيق في قضايا الحوكمة الاقتصادية والأمن الدولي. ومع اقتراب نهاية ولايته، تمثل القمة فرصة أخيرة له لتثبيت إرثه في ملفات التعاون متعدد الأطراف، ومحاولة إدارة التباينات بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.
قمة في قلب نظام دولي مضطرب
وتنعقد قمة مجموعة السبع هذا العام في سياق دولي شديد الاضطراب، حيث تتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية في مشهد واحد معقد، وتطرح القمة أسئلة مركزية حول مستقبل النظام الدولي، من بينها، قدرة الغرب على الحفاظ على وحدته، واستدامة الدعم لأوكرانيا، ومستقبل الاتفاق مع إيران، وإمكانية تقليل الاعتماد على الصين دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.



