بين أكوام الحجارة المتناثرة في قلب البلدة القديمة بمدينة غزة، يقف قصر الباشا اليوم كهيكل فقد ملامحه التي صمدت قرونًا طويلة أمام تعاقب الإمبراطوريات والحروب. لم يعد المارة يرون الأقواس المملوكية المزخرفة ولا الجدران العثمانية التي احتضنت تاريخًا امتد لمئات السنين، بل يرون أكوامًا من الركام والغبار تحكي قصة مكان لم تدمره عوامل الزمن، بل القذائف الإسرائيلية. فبدلًا من أن تترك الحضارات بصماتها على الحجر، أصبح الحجر نفسه شاهدًا على حرب لم تستهدف البشر فقط، بل امتدت لتطال الذاكرة والهوية والتاريخ.
العدوان الإسرائيلي يدمر المواقع الأثرية
خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، لم تقتصر الخسائر على الأرواح والمباني السكنية والبنية التحتية، بل طالت المواقع الأثرية والتراثية التي تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الفلسطينية والإرث الحضاري الإنساني. بينما كانت الأنظار تتجه إلى أعداد الضحايا والدمار الإنساني، كانت معالم تاريخية عمرها مئات وآلاف السنين تتعرض للقصف والتجريف والتخريب، في مشهد وصفه مختصون بأنه استهداف للذاكرة الجماعية ومحاولة لطمس الشواهد التاريخية التي توثق تعاقب الحضارات على أرض فلسطين. يعود تاريخ القطاع إلى أكثر من خمسة آلاف عام، إذ شكّل عبر العصور ميناءً استراتيجيًا مهمًا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وممرًا تجاريًا ربط بين مصر وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين. على هذه الأرض تعاقبت حضارات متعددة، من الكنعانيين والمصريين القدماء إلى الآشوريين والفرس واليونانيين والرومان والبيزنطيين، ثم المماليك والعثمانيين، تاركة وراءها إرثًا معماريًا وثقافيًا فريدًا جعل من غزة متحفًا مفتوحًا للتاريخ.
قال هاني الحايك، وزير السياحة والآثار الفلسطيني، إن الضفة الغربية وقطاع غزة يضمان 944 موقعًا أثريًا رئيسيًا، وأكثر من 10 آلاف معلم أثري، إضافة إلى ما يزيد على 350 نواة لمدن وقرى تاريخية تحتوي على أكثر من 60 ألف مبنى تاريخي. لفت الحايك إلى أن هذا الإرث تعرض خلال الحرب الأخيرة لخسائر غير مسبوقة، حيث تشير إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى تدمير 208 مواقع أثرية وتراثية من أصل 325 موقعًا في القطاع. كانت البلدة القديمة في مدينة غزة من أكثر المناطق تضررًا، إذ تحولت أزقتها وأسواقها ومبانيها التاريخية إلى ساحات للدمار.
أبرز المواقع المتضررة
أشار الحايك إلى أن من أبرز المواقع التي تعرضت للاستهداف قصر الباشا، الذي يعد آخر نموذج متبقٍ للقصور التاريخية في القطاع. لم يكن المسجد العمري الكبير، أحد أعرق وأكبر مساجد فلسطين، بمنأى عن الاستهداف؛ فالجامع الذي يعود تأسيسه إلى أكثر من 1400 عام ويُعد شاهدًا على مراحل تاريخية متعددة، تعرض للقصف والنسف، ما ألحق أضرارًا جسيمة بمبانيه وأجزائه التاريخية. يكتسب المسجد أهمية خاصة باعتباره ثالث أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى ومسجد أحمد باشا الجزار في مدينة عكا المحتلة.
كما طال الدمار حمام السمرة، آخر الحمامات التاريخية الباقية في المدينة المنكوبة، والذي كان لعقود طويلة شاهدًا على الحياة الاجتماعية والتراثية في المدينة. تعرض الحمام التاريخي للهدم الكامل، ما أدى إلى فقدان أحد أبرز المعالم المرتبطة بالتراث العمراني للقطاع. أما المواقع الدينية المسيحية، فلم تسلم هي الأخرى من آثار الحرب. ففي أكتوبر 2023 تعرضت كنيسة القديس بريفيريوس في مدينة غزة للقصف، وهي من أقدم الكنائس في العالم، إذ يعود تاريخ بنائها الأصلي إلى عام 425 ميلاديًا. أسفر القصف عن سقوط ضحايا كانوا قد لجأوا إلى الكنيسة طلبًا للأمان، كما ألحق أضرارًا بالموقع الذي يمثل قيمة دينية وتاريخية كبيرة للمسيحيين الفلسطينيين وللتراث الإنساني عمومًا.
الأضرار شملت أبرز المواقع الأثرية على الساحل الفلسطيني
شملت الأضرار عددًا من أبرز المواقع الأثرية الممتدة على طول الساحل الفلسطيني، من بينها تل الساكن وتل الرقايش وتل العجول وتل المنتار وتل رفح، والتي تعرضت لدمار متفاوت جراء الغارات الجوية. تضرر موقع دير البلح الأثري بصورة كبيرة، وهو الموقع الذي كشفت الحفريات الأثرية التي أُجريت فيه بين عامي 1972 و1982 عن بقايا مقبرة فلسطينية تعود إلى العصر البرونزي المتأخر، قبل الميلاد، واشتهرت باحتوائها على توابيت طينية فريدة ذات هيئة بشرية.
من بين المواقع الأكثر تضررًا ميناء أنثيدون القديم، المعروف محليًا باسم بلاخية، والذي يُعد أحد أهم المواقع الأثرية في غزة ويعود تاريخه إلى الفترة الممتدة بين القرن الثامن قبل الميلاد والقرن الحادي عشر الميلادي. أفادت تقارير متخصصة بأن الموقع تعرض لأضرار واسعة نتيجة الغارات الجوية والعمليات العسكرية. يكتسب الموقع أهمية خاصة كونه أحد ثلاثة مواقع فلسطينية في غزة مدرجة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي التابعة لليونسكو.
كما طالت الأضرار موقع دير القديس هيلاريون الأثري في تل أم عامر قرب مخيم النصيرات، وهو أحد أبرز المعالم المسيحية التاريخية في فلسطين. لم تكن المتاحف بمنأى عن الدمار، إذ تعرض متحف القرارة الثقافي في جنوب القطاع لأضرار جسيمة، بينما تضرر متحف رفح جراء غارة جوية أدت إلى تدمير أجزاء منه. تعرض المتحف الوطني الخاص الذي أسسه رجل الأعمال والباحث جودت الخضري للقصف، ما أدى إلى تدمير جزء كبير من مقتنياته الأثرية.
امتد الدمار إلى المباني التاريخية والتراثية في مدينة غزة، حيث دُمرت أو تضررت منازل تاريخية كانت قد رُممت وحُولت إلى مراكز ثقافية وتراثية، من بينها قصر السقا، وسباط العلمي، وبيت خضر الطرازي، وبيت الغصين. كما دُمر المركز الثقافي الأرثوذكسي في حي تل الهوى بالكامل، ما يعكس حجم الخسائر التي لحقت بالتراث الثقافي الفلسطيني خلال الحرب.
سرقة القطع الأثرية
لم تتوقف الخسائر عند حدود التدمير المادي للمباني التاريخية، بل امتدت إلى المقتنيات والقطع الأثرية النادرة. أفاد مسئولون فلسطينيون وعاملون في قطاع الآثار بتعرض بعض القطع الأثرية للسرقة خلال العمليات العسكرية، حيث استولى جيش الاحتلال الإسرائيلي على مستودع تابع لوزارة السياحة والآثار في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، كان يضم أكثر من أربعة آلاف قطعة أثرية، معظمها نتاج حفريات أُجريت في موقع بلاخية. لا يزال مصير هذه القطع مجهولًا حتى الآن، وهو ما يمثل خسارة إضافية للتراث الثقافي الفلسطيني الذي تعرض على مدار عقود لمخاطر متعددة.
يرى مختصون في التراث الثقافي أن استهداف المواقع الأثرية يؤدي إلى نتائج تتجاوز خسارة المباني الحجرية، إذ يهدد الذاكرة التاريخية للشعوب ويقوض الروابط التي تربط الأجيال بماضيها. المعالم التاريخية ليست مجرد آثار صامتة، بل وثائق حية تروي تاريخ المجتمعات وتطورها الحضاري عبر العصور.



