4 عقود من التوتر الممتد بين طهران وواشنطن
ظلت العلاقة بين واشنطن وطهران واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيداً وتشابكاً منذ أكثر من أربعة عقود. إنها علاقة لا تشبه السلام، ولا تستقر على حالة حرب شاملة، بل تتحرك في منطقة رمادية طويلة من العقوبات والردع والرسائل العسكرية غير المباشرة، تتخللها فترات قصيرة من التفاوض سرعان ما تنهار تحت ضغط الواقع السياسي والأمني. منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تحول الصدام بين البلدين إلى صراع ممتد، بلا بريق نور في نهاية النفق، حتى مع أزمة الرهائن في طهران، ودعم واشنطن للعراق خلال حرب الثمانينات، والعقوبات الاقتصادية المتصاعدة، والبرنامج النووي الإيراني، ثم سلسلة من الاتفاقات الجزئية ومحاولات الاحتواء التي لم تصل إلى تسوية نهائية.
الحرب الأخيرة وتداعياتها الإقليمية
مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، والتي أسفرت عن اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، انتقلت رقعة الصراع إلى دول الخليج، وأقدمت طهران على إغلاق مضيق هرمز، مما ترتبت عليه تداعيات اقتصادية عالمية واسعة. ورغم أن واشنطن وطهران أعلنتا التوصل إلى مذكرة تفاهم واتفاق أولي لوقف الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد، فإن طبيعة الاتفاق نفسه تفرض قدراً كبيراً من الحذر في قراءة المرحلة المقبلة. فالاتفاق لا يزال إطاراً أولياً أكثر منه تسوية نهائية، ولم يُختبر بعد على أرض الواقع، والعديد من الملفات الخلافية الجوهرية، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي والعقوبات الأمريكية، ما زالت دون حلول نهائية.
آلان آير: بناء هيكل أمني إقليمي
قال آلان آير، أبرز أعضاء فريق التفاوض النووي الأمريكي منذ بدايته عام 2010 وحتى توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، إن مستقبل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن حسمه بشكل قاطع، موضحاً أن المستقبل غير مكتوب سلفاً، وأن ما سيحدث غداً يرتبط بالخيارات السياسية المتخذة اليوم. وأشار المفاوض الأمريكي السابق إلى أن حالة العداء بين البلدين مستمرة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، نتيجة تضارب واضح في الأهداف الاستراتيجية، وهو ما جعل التوتر عنصراً ثابتاً في العلاقات الثنائية. ورغم ذلك، يرى آير أن المجال ما زال مفتوحاً أمام مسارات دبلوماسية يمكن أن تُدير هذا العداء وتقلل من حدّته، مستشهداً بتجارب تاريخية مثل العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق. وأضاف أن الحرب الأخيرة عمّقت التوترات بشكل واضح، لكن المقاربة الإيرانية تعتبر أن لا أمن لإيران دون أمن لدول مجلس التعاون الخليجي. واعتبر آير أن الحل الأكثر واقعية يتمثل في بناء هيكل أمني إقليمي مستقر، يُفضل أن تقوده دول الخليج نفسها عبر تفاوض مباشر مع إيران، بدل الاعتماد الكامل على ضمانات أمنية أمريكية وصفها بأنها لم تكن دائماً فعّالة بالشكل المطلوب.
موسويان: تسوية شاملة بدلاً من اتفاقات جزئية
أكد سيد حسين موسويان، الرئيس الأسبق للجنة العلاقات الخارجية في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن الأزمة الإيرانية الأمريكية تحولت إلى بنية أوسع من التوترات الأمنية والجيوسياسية المتشابكة، موضحاً أن التجربة الممتدة بين طهران وواشنطن أثبتت أن كل الاتفاقات الجزئية أو المحدودة لم تصمد، وغالباً ما انهارت تحت ضغط الوقائع الإقليمية أو تغير الإدارات السياسية. وطرح موسويان فكرة مختلفة جذرياً، تقوم على أن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تنجح ما لم تبدأ بتحديد النقطة النهائية للعلاقة بين البلدين، وصياغتها، لأن لا معنى للتدرج أو الاتفاقات الجزئية دون تصور واضح لشكل العلاقة النهائي. وقال المسؤول الإيراني السابق إن أي خارطة طريق لتسوية الخلافات يجب أن تقوم على خمسة مبادئ أساسية: الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم وفقاً لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مع إمكانية قبول مستوى صفر تخصيب لفترة محدودة؛ إنهاء بؤر الصراع في المنطقة عبر احترام متبادل للمصالح الإقليمية؛ دور وساطة أمريكي للحد من التصعيد بين إيران وإسرائيل؛ إنشاء إطار إقليمي جماعي يضم إيران ودول الخليج؛ وضمان توازن الاتفاق الشامل ليحافظ على ماء الوجه لجميع الأطراف.
ظريف: إدارة الأزمة بدلاً من التسوية
في مقال حديث بعد الحرب الأخيرة، نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية، قدم وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف قراءة سياسية للعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن التخلص من التوترات لا يتطلب تغييراً جذرياً مفاجئاً، بل إعادة بناء تدريجية للثقة عبر أدوات دبلوماسية واقعية. وذهب إلى التأكيد على أن استمرار الضغط والعقوبات والسياسات التصعيدية لم ينجح في تغيير سلوك إيران بالشكل الذي تطمح إليه واشنطن، بل أسهم في تعميق الاعتماد على أدوات الردع الإقليمي وتوسيع دائرة التوتر. وطرح ظريف فكرة أن الحل لا يمكن أن يكون أحادي الاتجاه، بل يحتاج إلى اعتراف متبادل بمحدودية القدرة على فرض الإرادة الكاملة على الطرف الآخر. وأشار إلى أن مستقبل العلاقة لا ينبغي النظر إليه كخط مستقيم نحو التصعيد أو الانفراج، بل كسلسلة من الدورات المتقلبة بين التوتر والتهدئة، مما يعني أن إدارة الأزمة قد تكون الخيار الأكثر واقعية في المدى القريب.
مضيق هرمز والملف النووي في قلب المعادلة
وفقاً لتقارير أمنية وسياسية، فإن المواجهة بين واشنطن وطهران لم تعد تدار بمنطق الحسم، بل بمنطق الاحتواء، حيث تتعامل الولايات المتحدة مع إيران عبر أدوات متعددة: العقوبات، والضغط البحري، والردع العسكري، بهدف منع طهران من الوصول إلى السلاح النووي دون الانخراط في مشروع تغيير النظام. في المقابل، طورت إيران مقاربة مختلفة تقوم على تحويل عناصر الجغرافيا والاقتصاد إلى أدوات ضغط، فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر استراتيجي، بل أصبح ورقة سياسية قابلة للاستخدام في لحظات التصعيد، وتحولت موارد الطاقة إلى جزء من معادلة الردع، حيث تمتلك طهران قدرة متزايدة على التأثير في أسواق النفط العالمية. ويظل الملف النووي في قلب هذه المعادلة، لكنه لم يعد يناقش بوصفه مشكلة يمكن حلها جذرياً، بل بوصفه أزمة يمكن ضبطها مؤقتاً. الهدف العملي لم يعد إنهاء البرنامج، بل تقييده ومراقبته في إطار توازن هش بين الردع والقبول.
السفير معلوف: لا حرب ولا سلم في الأفق
قال السفير اللبناني الأسبق لدى واشنطن مسعود معلوف إن مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال مرتبطاً بشكل مباشر بمسار التفاوض والنتائج التي يمكن التوصل إليها. وأوضح أن ما يجري حالياً لا يتجاوز كونه مذكرة تفاهم للتوصل إلى اتفاق دائم، تتضمن خطوطاً عامة تمهد لمرحلة لاحقة من التفاوض، دون أن ترقى إلى مستوى الاتفاق النهائي الملزم. وأشار إلى أن من بين البنود المطروحة ضمن هذا الإطار الأولي، ملف إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، إضافة إلى قضية اليورانيوم المخصب داخل إيران بنسبة تصل إلى 60% وبكميات تُقدر بنحو 400 إلى 450 كيلوجراماً، مع مقترحات متعددة للتعامل مع هذه الكمية، من بينها نقلها إلى الولايات المتحدة، أو التخلص منها داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو نقلها إلى دولة ثالثة مثل الصين أو روسيا. وأكد السفير اللبناني السابق أن الحديث عن مستقبل العلاقات بين البلدين لا يزال مبكراً للغاية، نظراً لتعقيد الملفات المطروحة وتداخلها، وصعوبة التوصل إلى تفاهم شامل بشأنها في الوقت الراهن، مرجحاً بقاء الوضع في حالة لا حرب ولا سلم لفترة ممتدة، إلى حين حدوث تغييرات جوهرية في الداخلين الإيراني أو الأمريكي أو في موازين القوى الإقليمية.



