دخل الشرق الأوسط، بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات الممتدة، مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية، في ظل تحولات متسارعة فرضتها المواجهات العسكرية، والأزمات الاقتصادية، والتنافس الدولي على الممرات الاستراتيجية والطاقة ومراكز التأثير. ولم تعد المنطقة تتحرك وفق قواعد التحالفات التقليدية وحدها، بل باتت ساحة مفتوحة لمشاريع إقليمية متنافسة تسعى كل منها إلى تثبيت حضورها السياسي والأمني والاقتصادي، بينما يقف العالم العربي في موقع المتلقي أكثر من كونه شريكاً في صناعة المشهد.
الحرب الكاشفة: اختبار موازين القوى
شكلت أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبها من تصعيد واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لحظة فارقة كشفت حجم التحولات الجارية في بنية الإقليم. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار واسع لموازين القوى، ولحدود النفوذ، ولقدرة الدول على حماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة تتجه تدريجياً نحو إعادة توزيع القوة والنفوذ.
غياب المشروع العربي
في خضم هذه التحولات، عاد السؤال العربي القديم بصيغة أكثر إلحاحاً: أين المشروع الاستراتيجي العربي؟ وكيف يمكن حماية الأمن القومي العربي في ظل صراع مفتوح بين قوى إقليمية ودولية تتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة نفوذ ومجالاً لإعادة رسم الخرائط؟ لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن المنطقة العربية لا تزال تمثل محوراً رئيسياً في الحسابات الدولية، سواء بسبب موقعها الجغرافي، أو مواردها الاقتصادية، أو أهميتها الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية.
الدعم الغربي لإسرائيل
منذ تأسيس إسرائيل، جرى التعامل معها باعتبارها قاعدة متقدمة للمصالح الغربية داخل المنطقة، حيث وفرت لها القوى الكبرى، بدءاً من بريطانيا وفرنسا، وصولاً إلى الولايات المتحدة، أشكالاً غير مسبوقة من الدعم العسكري والسياسي والتكنولوجي، بما يضمن تفوقها النوعي على محيطها العربي. وقد ظهر هذا الارتباط بوضوح خلال الحرب الأخيرة، حين تحركت واشنطن بكل أدواتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية لحماية إسرائيل، وتأمين غطاء دولي لعملياتها العسكرية، ومنع أي مسار دولي يمكن أن يفضي إلى محاسبتها على الانتهاكات المرتكبة في غزة. وفي المقابل، لم تُبدِ الإدارة الأمريكية أي اعتبار حقيقي لحجم التداعيات التي أصابت الأمن والاستقرار في المنطقة العربية، رغم علاقاتها الوثيقة مع الكثير من العواصم الخليجية والعربية.
المشروع الإيراني
في المقابل، واصلت إيران تعزيز مشروعها الإقليمي الذي تأسس منذ عام 1979 على فكرة توسيع النفوذ وبناء شبكات حلفاء داخل الإقليم. واستطاعت طهران، خلال العقود الماضية، توظيف الأزمات العربية والفراغات السياسية في عدد من الدول، لبناء حضور مؤثر في العراق ولبنان واليمن وسوريا، عبر أدوات سياسية وعسكرية وأمنية متشابكة، مكنتها من التحول إلى لاعب رئيسي في معادلات الشرق الأوسط. كما أظهرت المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران أن إيران، رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها، لا تزال قادرة على إدارة الصراع ورفع كلفته الإقليمية والدولية، سواء عبر تهديد الممرات البحرية، أو التأثير على أسواق الطاقة، أو توسيع نطاق الاشتباك عبر حلفائها في المنطقة. وهو ما عزز حضورها، باعتبارها قوة إقليمية تمتلك مشروعاً واضحاً وأدوات ردع متعددة.
الفراغ العربي
لكن الأخطر في كل ما جرى أن العالم العربي بدا غائباً عن معادلة إعادة تشكيل الإقليم، رغم أن ساحات المواجهة الرئيسية كانت داخل المجال العربي نفسه. فالمنطقة العربية تحولت إلى مسرح للصراع بين المشاريع المتنافسة، دون امتلاك رؤية عربية موحدة قادرة على حماية المصالح القومية أو فرض توازنات مستقلة. لقد كشفت الحرب هشاشة النظام العربي، وعمق الانقسامات السياسية والاستراتيجية بين دوله، في ظل تغليب الحسابات القطرية الضيقة على مفهوم الأمن القومي العربي المشترك. كما أظهرت محدودية فاعلية مؤسسات العمل العربي المشترك، وعجزها عن التعامل مع التحولات الكبرى التي تعصف بالإقليم.
دعوات لإعادة البناء
من هنا، برزت مجدداً الدعوات العربية، وفي مقدمتها الطرح المصري، لإعادة التفكير في بناء منظومة أمن قومي عربي أكثر تماسكاً، تقوم على فكرة الشراكة الاستراتيجية والتنسيق الدفاعي، وصولاً إلى إنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية المصالح العربية، وتأمين التوازن الإقليمي في مواجهة المشاريع المتصارعة. وفي السياق ذاته، تتجه بعض القوى العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، نحو بناء شراكات وتحالفات إقليمية جديدة تستند إلى المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية، بما يخفف من الاعتماد الكامل على المظلات الخارجية، ويمنح الدول العربية مساحة أكبر من الاستقلالية في إدارة مصالحها.
نحو مشروع استراتيجي عربي
إن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وصولاً إلى الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران، يؤكد أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، تُعاد فيها صياغة موازين القوى والتحالفات ومفاهيم الردع. وفي ظل هذا التحول، لم يعد ممكناً استمرار الرهان العربي على التوازنات الخارجية وحدها، أو الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة على الأزمات. فالمنطقة تتجه نحو نظام إقليمي جديد، ولن يكون للعرب مكان مؤثر فيه ما لم يمتلكوا مشروعاً استراتيجياً حقيقياً، يقوم على التكامل السياسي والاقتصادي والأمني، ويعيد تعريف مفهوم الأمن القومي العربي، بعيداً عن الانقسامات والمحاور المتصارعة. لقد أثبتت التجارب أن الحماية الخارجية لا تصنع استقراراً دائماً، وأن الدول التي لا تمتلك مشروعها الذاتي تصبح جزءاً من مشاريع الآخرين. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى بناء رؤية عربية أكثر واقعية وتماسكاً، قادرة على تحويل العالم العربي من ساحة للصراع إلى طرف فاعل في صناعة التوازنات الإقليمية الجديدة.



