ما بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني: صعود سلاح الاقتصاد وتراجع القوة العسكرية
ما بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني: صعود سلاح الاقتصاد

شهدت سويسرا خلال الأيام الماضية تطورات لافتة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وسط خلافات حادة حول الملف النووي والعقوبات ومستقبل مضيق هرمز. ورغم التصريحات المتبادلة التي هددت بإرباك المسار التفاوضي، إلا أن الحديث عن «تقدم مهم» في بعض الملفات لا يزال قائماً. وقد أوقفت إيران بعض جلسات التفاوض احتجاجاً على ما اعتبرته تهديدات أمريكية، بينما أكدت واشنطن استمرار العمل على تنفيذ التفاهمات الأولية لتهدئة الصراع وإعادة فتح الممرات البحرية.

تحولات استراتيجية عميقة

أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، أن الموضوع الأهم ليس تفاصيل التفاوض نفسها، بل ما تكشفه من تحولات استراتيجية عميقة. أول هذه التحولات هو تراجع فعالية القوة العسكرية التقليدية في تحقيق الأهداف السياسية. فرغم مرور نحو 4 أشهر من المواجهة، لم تنجح واشنطن في فرض استسلام استراتيجي على طهران، كما لم تتمكن إيران من إخراج الولايات المتحدة من المعادلة الإقليمية. والنتيجة أن الطرفين عادا إلى مائدة التفاوض بشروط مختلفة، ولكن دون حسم كامل.

صعود سلاح الاقتصاد

أشار السيد إلى أن التحول الثاني يتمثل في صعود «سلاح الاقتصاد» باعتباره الأداة الرئيسية في المرحلة المقبلة. فالمفاوضات الحالية تدور حول مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة لدى الغرب، وتخفيف العقوبات النفطية، ومستقبل صادرات الطاقة الإيرانية. وهذه الملفات قد تكون أكثر تأثيراً من نتائج العمليات العسكرية نفسها. فعلى مستوى الاقتصاد العالمي، لا تتابع الأسواق الصراع من زاوية الحرب أو السلام فقط، بل من زاوية استقرار إمدادات الطاقة. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ظل خلال الأشهر الماضية أحد أخطر نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم. ورغم الحديث عن إعادة فتحه وتخفيف القيود على الملاحة، فإن المستثمرين ما زالوا يتعاملون مع منطقة الخليج باعتبارها منطقة مخاطر مرتفعة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ارتفاع الإنفاق العسكري وتباطؤ النمو

يواجه العالم بأسره معادلة جديدة هي ارتفاع الإنفاق العسكري بالتزامن مع تباطؤ النمو الاقتصادي. فالولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا والشرق الأوسط تتجه جميعها نحو زيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما يعني عملياً إعادة توزيع الموارد بعيداً عن الاستثمار والإنتاج نحو الأمن والتسلح. وهذا أحد أهم الأسباب التي قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو نمو أبطأ خلال السنوات المقبلة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مصر أمام فرصة تاريخية

بالنسبة لمصر، فإن القراءة العادية التي تركز فقط على أسعار النفط أصبحت غير كافية. صحيح أن أسعار الطاقة والشحن تمثل تحدياً مباشراً، لكن الفرصة الأكبر تكمن في التحولات الجارية في التجارة العالمية. فالشركات الدولية أصبحت تبحث عن مراكز إنتاج وتخزين وتوزيع أكثر أماناً خارج مناطق الصراع، وهو ما يتيح فرصة تاريخية أمام المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنطقة جنوب العلمين الجديدة للتحول إلى مراكز صناعية ولوجستية تخدم أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط معاً.

تسريع توطين الصناعة

من زاوية أخرى، تكشف الأزمة الحالية أهمية تسريع برنامج توطين الصناعة المصرية. فكل أزمة جيوسياسية جديدة تؤكد أن الأمن القومي لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح أمن غذاء وأمن طاقة وأمن سلاسل إمداد وأمن تكنولوجي. وبالنسبة للمواطن المصري، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ارتفاع أسعار بعض السلع فحسب، بل في قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل جديدة وسط بيئة دولية مضطربة. لذلك، فإن الاستفادة من الأزمة تتطلب التركيز على جذب الاستثمارات الصناعية والتصديرية، وليس مجرد انتظار هدوء الأسواق العالمية.